الاثنين، 8 أبريل 2013

العقيد ركن هادي بن سليمان قاسم الداثري


اليتيم هو من فقد والديه أو احدهما، وهو دون سن البلوغ، قال تعالى ( الم يجدك يتيما فأوى) فالرسول صلى الله عليه وسلم فقد والديه وهو دون سن السادسة من عمره ، وهناك تعريف آخر فيقال إن اليتم بمعنى الانفراد، فمن فقد أباه في الناس فهو يتيم ، وأما من فقد أمه فيقال له منقطع ، أما من فقدهما معا فهو لطيم ، فهناك فرق بين هذه الألفاظ ، فاليتيم اخف من لفظ المنقطع ، واليتيم أو المنقطع اخف من اللطيم، فاليتم كما عرفنا هو الانفراد ، والانقطاع هو الانقسام والانفصال والفرقة، فمن فقد أمه أكثر واشد بؤسا ممن فقد أباه، فدور الأم في حياة الأبناء يفوق دور الأب بكثير، فتنفرد بالحضانة والرعاية والحنان ، يتضح بجلاء في قوله صلى الله عليه وسلم (أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبيك)، أما اللطم فهو ضرب الخد والوجه حتى تتضح الحمرة، وهو تعبير عن الحسرة واليأس وعمق الجرح ، نتيجة فقد الأم والأب معا، وهذه أعظم حالة من اليتم والانقطاع، لأنه يشملهما معا.
وكما هو في الغالب المشاهد، أن من فقد أمه يكون أكثر تعرضا للضياع ، لان معظم الآباء ينشغلون عن أبنائهم، أما بأمورهم الحياتية، أو لانشغاله بزوجة بديلة، فيكون الضحية في الغالب الأبناء ، ومعظمهم يضيع ويتحطم ويفشل ، وأما إذا فقد الأب مع وجود الأم الواعية الحازمة، فهي تحفظهم وتحدب عليهم وتحضنهم، وتعوضهم بحنانها ورعايتها ومراعاتها فقدهم لأبيهم ، مما يكون في الغالب سببا في أن يخرج أبنائها رجالا يعتمد عليهم، ناجحون مبرزون ، بل إن اليتم قد يكون محفزا قويا لمعظم هولاء في التغلب على معوقات الحياة، وتجاوز الأزمات، مع ما يتخلل حياتهم مع أمهم في تلك الفترة من تعب ومشقة وجلد وصبر ومعاناة، ولكن نتائجها في العادة تكون مبهرة وقوية.
قال صلى الله عليه وسلم (أنا وامرأة سفعاء الخدين كهاتين يوم القيامة، وأومأ (الراوي) بإصبعيه الوسطى والسبابة، امرأة آمت زوجها، ذات منصب وجمال، حبست نفسها على يتاماها، حتى بانوا أو ماتوا) السفعة هي: اثر تغير لون البشرة من المشقة ، فهذا دليل على عظم اجر الأم التي مات عنها زوجها، وحفظت أبنائها ونذرت حياتها لهم، حفظتهم وربتهم حتى كبروا وغدوا رجالا ، فليس لها جزاء إلا رفقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة ، وهل هناك أعظم واجل من ذلك .
هذه المقدمة عن اليتم، وعن دور الأم الرؤوم في التربية والتضحية، نجدها ماثلة بكل صورها ومعانيها في سيرة شخصيتنا ،فهو يعبر عن ذلك بقوله:
الطفولة السعيدة من أجمل مراحل العمر في حياة الإنسان، وقد يحول الفقر أو المرض أو اليتم دون هذه السعادة ، فبعد وفاة والدي (رحمه الله) عشت طفولة صعبة خالية من المرح والمتعة في معظم الأحيان ، ولا أنسى والدتي التي بذلت جهودا كبيرة في سبيل إسعادي أنا وإخواني الأصغر مني،وتحملت كل الظروف ، وبذلت كل الجهود في سبيل توفير ما نحتاج إليه، وحافظت علينا من التشرد والضياع الذي كان سيحل بنا لولا الله ثم بقائها ترعانا وتحافظ علينا.
ما أجمل الوفاء لأهل الوفاء، وهل أعظم من الوفاء للام التي تحملت وبذلت وصبرت وصابرت حتى غدى أطفالها رجالا ناجحون، لهم مكانتهم ومراكزهم المرموقة، وصاحب سيرتنا اكبر هولاء الأيتام، وأعظم صفاته وفي المقدمة منها الوفاء، وهو نموذجا ومثالا ناصعا للرجل المكتمل الذي أُحسن إعداده وبنيانه حتى نجح وأصبح عضوا ايجابيا في مجتمعه وما زال إلى اليوم انه :
العقيد ركن هادي بن سليمان بن قاسم بن سلمان بن حسن بن قاسم بن متعب الداثري الفيفي.

image

فوالده (سليمان بن قاسم) كان شيخ قبيلة آل الداثر (رحمه الله) ، تزوج في أواخر حياته من الفاضلة مشنية بنت قاسم بن يحيى العبدلي (حفظها الله وختم لها بالصالحات) ورزقا بثلاثة أبناء ، ثم توفي عنها في حوالي عام 1382هـ ، فنذرت نفسها لهولاء الصبية الأيتام ، ترعاهم وتحدب عليهم، فوفقها الله حيث أخرجت منهم رجالا بمعنى الكلمة ، لهم مكانتهم وأدوارهم البارزة ( حفظها الله ووفقها وكتب ذلك في موازين حسناتها) فهي من تولت تربيته وإخوانه الصغار بعد ما مات والدهم، نذرت نفسها لهذه المهمة العظيمة، فنجحت بكل جدارة واقتدار ، ولكنها ولا شك ضحت في سبيل ذلك بالكثير من شبابها وراحتها حتى رأتهم رجالا يطاول بهم الثرياء، وفي مقدمة جيلهم إن لم يكونوا الأفضل من كثير ممن كانوا بين أبويهم، ولم يصابوا بشيء من الفقد واليتم ، نسال الله سبحانه وتعالى أن لا يحرمها ثواب ما قدمت وضحت ، وان يجزيها الأجر والمثوبة والرحمة والمغفرة، وان يبعثها في الآخرة في معية رسوله صلى عليه وسلم .
ولد هادي في بيت المثابة الواقع في أعلى جبل فيفاء، المطل من أعلى قمة السماع ، وذلك في حوالي عام 1375هـ ، وقد مات والده وهو دون السابعة من عمره .
معاناة اليتم:
لو نتعرف على ما عانت الأم وهو الأكثر ، وما عانوه جميعهم في تلك الفترة بعد موت الأب، لكي نعرف أولا قدر التضحية التي بذلتها هذه الأم في سبيل تربية هولاء الأبناء، الذين نراهم اليوم وقد تسنموا أعلى الدرجات وارفعها ، في وقت قاس وصعب وشديد، ولكنها فعلا تحملت وصبرت وصابرت، فلنسمع لطرف من هذه الحكاية ، من صاحب سيرتنا بأسلوبه الصادق المعبر، لكونه يتكلم عن واقع عايشه فيقول:
يبقى الفضل الأكبر بعد الله لوالدتي ، فقد بقيت بجانبنا بعد وفاة والدي، وتحملت كل الظروف، وبذلت كل الجهود، في سبيل توفير ما نحتاجه، وحافظت علينا من التشرد والضياع، الذي كان سيحل بنا لولا الله ثم بقائها ترعانا وتحافظ علينا ، رغم أنها كانت في حينها في مقتبل العمر، وطلب يدها أناس كثيرون لهم وزنهم الاجتماعي، ولكنها ضحت وصبرت وتحملت ، وكانت حريصة على دراستنا ومهتمة بنظافتنا المدرسية من ثياب وحلاقة وغيرها، وتزودنا بالكثير من النصائح في الأدب والأخلاق والصبر ، وكيفية التعامل مع الآخرين ، وتحثنا على الاهتمام بمستقبلنا، وان نعتمد على أنفسنا لا على الآخرين ، جزاها الله كل خير وعظم لها الأجر والمثوبة ، واقر عينها بهم وبأبنائهم .
أما ما عاناه هو في هذه السن وهو اكبر إخوانه، وقد أدرك لمحات من حياة والده، لذلك كان أكثرهم تأثرا، لتمييزه لعظم هذه الفاجعة، وإحساسه بالتغيير الكبير الذي أصابهم بعد فقد أبيهم ، واصطدامه باختلاف تعامل كثير ممن حولهم بعد تلك الفاجعة ،فيقول :
إذا ما رأس أهل البيت ولى ### بدا لهم من الناس الجفاء
فقد كان أبي مقدرا وذو شأن كبير بين الناس، بصفته الشخصية ولكونه شيخ القبيلة ، وكان ينالني من ذلك التقدير الشيء الكثير، رغم صغر سني ولكني كنت استشعر الكثير من ذلك، ولكن بعد وفاته تغير كل شيء وأحسست بهذا الاختلاف ، وان لم استوعبه تماما إلا بعد أن كبرت قليلا، فالذين كانوا يصافحونني ويبتسمون في وجهي، ويقدمون لي أحيانا بعض المال البسيط (هدايا)، عندما أكون برفقته أو لوحدي أحيانا، أصبح معظمهم بعد موته وكأنهم لا يعرفونني عندما يقابلوني، فكان لذلك أسوأ الأثر في نفسي ، حتى انه لم يبقى احد ينظر إلي بأكثر من نظرة الازدراء والاستضعاف، وربما العطف والشفقة من بعض الناس الطيبين ، بالطبع لا أعمم هذا الحكم ولكنه الغالب، ولا يشمل هذا الحكم إخواني الكبار ، وان كان الأكبران منهما يعملان خارج المنطقة وبعيدان عنا، ولكنهما لا يتركان تفاقد وضعنا، ولا يقصران في شيء من شاننا ، وأما أخينا الموجود في فيفاء (مفرح) فكان نعم الأخ الودود الرحيم ، وان أنسى لا أنسى من الناس، الذي اذكره دوما بكل التقدير والإجلال والاحترام، والدعاء الصادق بان يعظم له الأجر والمثوبة ، الأخ الفاضل الشيخ محمد بن حسن حسين (رحمه الله وغفر له)، فقد كان يقدرني حق التقدير، ويرفع من معنوياتي في كل حين ، مما لم أجده في غيره من الناس ، حتى انه في جميع مناسباته الاجتماعية وما أكثرها، يدعوني أنا وأخوتي دعوة خاصة ، فنجد أنفسنا، ونحس بمكانتنا وقيمتنا، رحمه الله وأثابه، واسكنه الفردوس الأعلى من الجنة.

تعليمه :
لم يدخل المدرسة إلا بعد أن كبر قليلا،حيث لم يدخلها في بداية سن الدراسة النظامي ، بل تركته أمه إلى أن كبر أخوه محمد، ليذهبا سويا إلى المدرسة الابتدائية بالنفيعة، وذلك في بداية العام الدراسي 1385/1386هـ لكي تطمئنا عليهما، وليراعي بعضهما بعضا ، وقد عايش في هذه المدرسة ومن خلالها الكثير من الحكايات المتعددة والمعاناة القوية ومن ذلك ما يورده في قوله :
كانت المدرسة آنذاك خوفا ورهبة،بسبب تعامل بعض المعلمين، ومعظمهم من الجنسية الفلسطينية، فيلاحظ أن كثير منهم كانوا ينظرون إلى الطلبة نظرة دونية، ويتعاملون مع الطلاب تعاملا قاسيا وعنيفا، وخاليا من الرحمة والتربية السليمة ، وليسوا كلهم ولكن الأغلب فيهم ، ومما أذكره كشواهد، انه وفي الصف الأول الابتدائي، لم يكن لدى أخي (محمد) قلم مرسم (رصاص)، مما جعل المعلم يضربه حتى بكى من ألم الضرب المبرح ، وجعلني وأنا أشاهد ما حل به أشاركه البكاء تأثرا وشفقة وغيضا ،فالمعلم لم يرحم صغر سنه ووضعه الاجتماعي كيتيم، وفي حادثة أخرى في الصف الثاني أو الثالث، في مادة الرياضيات (الحساب)، وكان المعلم متعنتا مزاجيا يمارس السادية، وعلى ما يبدو انه يعاني من حالة نفسية، فأدخلني في تحد كبير ليمارس من خلاله عنجهيته وظلمه على هذا الطفل الضعيف، حيث طلب مني أن أعد على غير المألوف ، من المائة إلى الواحد عدا تنازليا، وإياي أن أخطئ أو أتردد، ومع أول غلطة مني وهو أمر متوقع ، إلا وفاجأني بصفعة قوية على وجهي، وكأنه قد أطمأن إلى انه لن يحاسبه احد على هذا التجاوز، فالطالب وكما تعودوا منهم لا يجرؤ احدهم على الشكوى، لاحترامهم الزائد للمعلم، ويعرفون مدى تقدير الناس في هذا المجتمع للمعلم، لدرجة انه لا يسال ولا يحاسب عما فعل ولم فعل، مهما كان هذا الفعل خاطئا وقاسيا، ولكنه وقد علم بالصدفة الرجل الشهم (محمد بن حسن يحيى السنحاني) رحمه الله، بهذه الواقعة وهذا التجاوز غير المبرر ، لم يسكت وبادر إلى تعنيف المعلم على سوء فعلته وتعديه ، بل وحرر ضده شكوى في مركز الأمارة ، ولكن المعلم لم يستمر كثيرا بعد ذلك،حيث سلط الله عليه لظلمه وجوره من ظلمه وقهره لسبب آخر، حيث احتد بينه وبين احد زملائه المعلمين خصام شديد ، تطور إلى عراك بالأيدي بينهما، أصابه هذا المعلم بحجر شج به رأسه مما أفقده الذاكرة ، وجعل الجهات الأمنية تتدخل بينهما، وصدر قرار بإنهاء عقديهما وإبعادهما عن المملكة.
كانت حياته في تلك الفترة منصبة فقط على اهتمامه بدروسه والتفوق في مدرسته ، ولا يوجد لديه ما يشغله أو يلهيه عن ذلك ، لطبيعته الهادئة، ولكون وسائل اللعب واللهو والترفيه قليلة ، إن لم تكن معدومة بالكلية ، ويتحدث عن ذلك في قوله:
لقد كانت وسائل الترفيه شبه معدومة، عدى بعض الألعاب الشعبية البسيطة (كالمزاقرة) ، ثم توفرت بعد ذلك بعض كرات اللعب الصغيرة ، ولكنه كان محروما من كثير منها لقلة ذات اليد، لذلك كانت وسائل اللعب بسيطة وبدائية، وكانت هي السائدة في تلك الفترة، ولعله كان خيرا لهم، فوقته مقسم بين المدرسة والبيت، فأول النهار يقضيه في المدرسة ، وفي آخره من بعد العصر يقضيه في اللعب البسيط والتنزه حول منزلهم ، وما أن تدنو الشمس من المغيب حتى يعود مسرعا إلى البيت، فيستذكر ويحل ما عليه من واجبات ، ثم يأوي إلى النوم مبكرا من بعد العشاء مباشرة، حيث لا يوجد ما يوجب السهر الطويل ، وحتى انه لا تتوفر الإضاءة الجيدة ، بل إن الكروسين (القاز) الخاص لإشعال السرج قليل حينها ونادر الوجود ، مما يوجب الاقتصاد في استخدامه .
ومع ذلك مضت السنين رغم المعاناة، وقد يتخللها الكثير من الصفاء والسعادة، والذكريات الحلوة الجميلة، التي تتمخض عادة من رحم المعاناة ، ومن هذه الأشياء الحلوة التي لا ينساها، ما كان يحضره له أخوه الأكبر قاسم (حفظه الله ومتعه بالصحة) إذا ما قدم في الإجازات السنوية ، من الهدايا والأشياء الحلوة (حقائب مدرسية وأقلام ودفاتر وساعات) له ولإخوانه ، التي تسعدهم وتفرحهم كثيرا.
لقد أكمل دراسته في هذه المدرسة إلى أن تخرج من الصف السادس الابتدائي، في نهاية العام الدراسي 1390/1391هـ، ولما لم تكن هناك مرحلة دراسية بعد هذه المرحلة في فيفاء، مما اضطره إلى السفر خارج فيفاء لأول مرة بعيدا عن أمه وإخوانه ، حيث سافر إلى مدينة خميس مشيط، حيث كان يقيم أخوه الأكبر الشيخ قاسم، الذي يعمل عسكريا حينها في القوات المسلحة (الجيش) ،وكانت هذه النقلة انتقال إلى معاناة من نوع آخر، وكان اكبر المعاناة هو في فراق أمه وإخوانه وابتعاده عنهم لأول مرة ، وهو في سن ما زال صغيرا عن احتمال مثل ذلك ، ولكن لا بد مما ليس منه بد ،حيث يقول عن ذلك:
كان أول خروج له من فيفاء للدراسة إلى مدينة خميس مشيط، وكان المسافر في ذلك الزمن يشعر بالغربة، ففيها انقطاع بالكلية ، فلم تكن هناك وسائل مواصلات ولا اتصالات ، فما بالك بمن هو في مثل سنه وظروفه، ورغم أن المسافة بالكيلوات قليلة لا تتجاوز (270) كم ، ولكن الطريق في معظمه وعر ترابي ، وفي أول رحلة سفر له حينها ، كانت وسيلة الركوب سيارة شحن (مرسدس) ، لأنها الوحيدة التي تستطيع السير في تلك الطرق الصعبة، وزاد من قتامة الموقف أن كان التحرك في بداية هذه الرحلة من مدينة صبيا بعد الساعة العاشرة ليلا، تتهادى بهم السيارة ببطء في ليل دامس يبعث في النفس الهم والكدر، ويسيرون في تموجات ومطبات لا تنتهي ولا ترحم، وهو لا يدري أين الاتجاهات ولا يرى إلا ما تكشفه أضواء السيارة أمامها ، فهو في خوف ووجل من ما هو فيه، مما ضاعف أحاسيس الألم النفسي من فراق أمه وإخوانه، وشعوره بالإحباط والتوجس من القادم ، لم يستطيع الراحة والطريق طويل وشاق ، وكأنه ليس له نهاية ، فإذا ما أشرقت شمس اليوم التالي إلا وهو في عالم آخر مختلف لم يألف له مثيلا ، أودية وجبال جرداء تحيط بهم من كل جانب ، وعقاب صعبة مخيفة ، ويمضي على هذا المنوال والشمس ترتفع قليلا قليلا ، وفي مفاجئة لم يتوقعها إذا هم أمام منظر يخلب الألباب، تتبدا فيه مدينة ابها مشرقة فاتحة ذراعيها لهم ، أنستهم كل تعب وكدر ، ويمر الركب في ذلك الإبهار والجمال الساحر، مواصلا سيره إلى مدينة الخميس التي لا تبعد كثيرا.
بدد أخيه بحسن تلطفه وكريم استقباله ، كل توجس كان قد خامره ، وأزال عنه كل ما قد علق في نفسه من مخاوف الغربة وفراق الأم والمرابع، وهيئ له سكن مستقل في منزله، وتم قبوله بالمتوسطة الأولى بالخميس، فاطمأنت نفسه وارتاح باله، وما أسرع ما تأقلم مع حياته الجديدة، ومدرسته ومع زملائه، ومضت به تلك السنة الأولى، بأمن وسلام وراحة بال ، واقبل على دراسته بكل همة واجتهاد، وقد لاحظ الاختلاف الكبير في التدريس هنا عما كان قد ألفه، والتعامل الراقي للطلاب عما كان يعامل به الطلاب في مدرسته السابقة ،فيقول في هذا الجانب (كانت بعض هذه المدارس في بيوت عادية ، ولكن كان مستوى التعليم مرتفع فيها ، من
حيث الاهتمام بإيصال المعلومة، والتأكد من قبل المعلم أن الطالب قد استوعب ما درس ، وكان التركيز فيها على الكيف لا على الكم ).
مع نهاية السنة الدراسية الأولى، التي اجتازها بحمد الله وتوفيقه بنجاح ، ومع عودته بعد نهاية العطلة الصيفية، التي قضاها منشرح النفس والخاطر مع والدته وإخوانه وأهله، مما أنساه كل الم الفراق والغربة طوال تلك السنة ، ولكن والخوف والتوجس من لكن ، كان مع نهاية العطلة الصيفية والعودة إلى الخميس لاستئناف عامه الدراسي الجديد، حيث تفاجأ أن أخاه قد انتقل عمله من الخميس ، دون سابق إنذار كطبيعة العمل العسكري ، وهنا ابتدأت له معاناة من جانب آخر لم تكن في الحسبان ، حتى أنها كادت أن تقضي على مستقبله الدراسي، لولا انه كان محصنا بقوة الصبر والتحمل بعد حفظ الله له وتوفيقه ، فلنستمع إلى شيء من هذه الحكاية حيث يقول :
مع نهاية العام الدراسي ، نقل أخي إلى شرورة ، ولكن من لطف الله أن قدم في نفس الفترة صهره منقولا إلى الخميس،حيث يعمل هو الآخر عسكريا في الجيش ، فسكن محله في نفس البيت بعد أن تركه له بأثاثه، ولما كانت زوجته أخت لي من الرضاع، فقد أقمت معهما ولم اشعر بشيء كبير من التغير، ولكن لم تمضي فترة وجيزة من بداية العام الدراسي، إلا وحصلت له ظروف قاهرة جعلته يغادر المنطقة، ويترك العمل العسكري بالكلية، مما أوقعني في مشكلة عويصة لم أجد لها حلا،ولم ادري كيف أتصرف ، لقلة خبرتي وصغر سني على أن أحسن التصرف وتدبير الأمور في مثل هذا الوضع، زيادة على قلة ذات اليد، فبقيت في البيت وحدي ، حيث تركه بكامل أثاثه ، ثم كان قد حان موعد سداد الإيجار ، فلا ادري كيف أتدبر أمري ولمن الجأ، وماذا افعل وكيف أتصرف، فكنت اذهب في أول النهار إلى المدرسة، وبعد نهاية الدراسة أعود إلى البيت، فأغلق على نفسي الباب، ولا اخرج إلا في اليوم التالي، وكان مالك الدار يتردد على البيت ، فيطرق الباب باحثا عن المستأجر ليسدده الأجرة، فألوذ بالصمت ولا أجيبه، لا ادري ما العمل ، بقيت على تلك الحال فترة إلى أن بلغ الخبر أخي الكبير في شرورة، فنسق مع احد الأخوة ممن يسكن في الخميس ، حيث حضر وأخلى البيت ، وسدد الأجرة ونقل الأثاث إلى منزله ، وأسكنني معه في بيته ، ولما كان في تلك الفترة في دورة عسكرية ، ولم يكن يستطيع الخروج منها إلا في يوم الجمعة فقط، فقد كلفني بان أقوم بجلب ما يحتاج إليه أهله وأبنائه من السوق وغيره ، ولكنني كنت غير مرتاح لشعوري باني عبء عليه ، وزاد هذا الشعور لما انتهى من تلك الدورة وعاد إلى وضعه الطبيعي، يستطيع الخروج إلى منزله كل يوم بعد نهاية الدوام ، فكنت اشعر بالحرج في البقاء لدية، مع انه جزاه الله خير لم يبدي شيء مما يوحي باستثقال بقاء لديه ، فكنت ابحث وأفكر في الحلول المناسبة، وفي كل مرة تقف أمامي إمكانياتي المحدودة وخبرتي القليلة، فأقف حائرا لا ادري ما افعل ، وفي أثناء هذا الهموم التي تجتاحني، قابلت أخا عزيزا وفقه الله وأسعده (إبراهيم بن اسعد الابياتي ـ صاحب بطحان) فلما أطلعته على وضعي، اقترح علي إذا ارغب أن اسكن معه وبعض أصحابه ، من أبناء فيفاء الذين يعملون في بعض الشركات، ممن انقطعت بهم السبل ، والحياة المعيشية الصعبة في تلك الفترة في فيفاء، لانقطاع الأمطار وتدهور الزراعة بسبب ذلك، مما تعارفوا على تسميته فيما بعد (بسنة الهربة) ، فكانوا يعملون في الشركة التي تقوم على تنفيذ مشروع القاعدة الجوية ، ودوامهم فيها يبدأ من بعد صلاة الفجر مباشرة إلى غروب الشمس.
لا تسال عن فرحتي بهذا العرض، الذي جاء في وقته المناسب ، فانتقلت مباشرة للسكن معهم ، في شبه منزل يقع في حي الهميلة، وأقول شبه منزل ؛ لأنه عبارة عن بيت من الطين، لا يوجد به إلا غرفة واحدة، وفناء داخلي صغير، وملحقات بسيطة، وليس به كهرباء ولا تمديدات للماء ، والاضائة الوحيدة في الليل سراج واحد، يشعلونه حتى يفرغون من عشائهم، ثم يطفئونه ليخلد الجميع إلى نوم عميق، بعد يوم شاق ومتعب، وليتهيئوا من صلاة الفجر ليوم آخر مجهد .
فلا تسال عن حالي وعن وضعي ، ولكن هذا هو المتيسر والممكن ولا هناك خيار أفضل منه ، لذا كنت أبقى طوال وقتي في احد الممرات في هذا البيت ، حيث لا مكان لي في غرفتهم الصغيرة، ولان برنامجي مختلف عن برنامجهم، لذلك أقلمت نفسي مع هذا الوضع ورضيت به ، فكنت مع شروق الشمس أتهيأ للمدرسة ، وانطلق سيرا على الأقدام في الذهاب والعودة، مكبا على دراستي لا اشكوا إلا إلى الله سبحانه وتعالى، وان لم تكن هذه المعاناة غريبة علي، فقد مررت بأكثر منها في طفولتي، ولكن بحمد الله لا بد من الوصول إلى النهاية، فقد انتهى العام الدراسي ونجحت بتفوق والحمد لله، وجاء الفرج بعدها من عند الله سبحانه وتعالى، ففي بداية السنة الدراسية الجديدة، كان أخي قد انتقل عمله من شرورة إلى مدينة الرياض ، فلما استقر بها الوضع طلب مني الانتقال إليه، وفعلا بادرت بالانتقال الى مدينة الرياض، وسكنت في منزله (حفظه الله)، والتحقت بالمتوسطة الثانية بالرياض.
لنقف معه والدروس التي استفادها من تجربته السابقة في مدينة الخميس، حيث لا يكاد يخرج من تجربة مهما كانت قاسية، إلا بدروس مستفادة، وكأنها تهيؤه لمستقبل جاد ينتظره، فمن هذه الدروس كما يذكر ، والتي لو مرت بغيره لكانت كفيلة بتحطيمه ، أو لأفقدته التركيز في دراسته، ولبددت كل آماله وأحلامه ، ولكنه خرج منها أكثر قوة وأكثر صلابة ، ويلخص هذه الفوائد في التالي :
• التعود على الصبر والاعتماد على النفس.
• صقل شخصية الإنسان وتهذيبها.
• التعامل مع أصناف عدة من الناس (ففيهم الصادق وفيهم المرائي وفيهم أصحاب المواقف النبيلة).
مع بداية العام الدراسي الجديد في مدينة الرياض ، عادت إليه الآمال والإحساس بالتفاؤل ، وشعر مرة أخرى بالراحة والطمأنينة تعود إلى نفسه ، لذلك اقبل على دراسته في الصف الثالث المتوسط في مدرسته الجديدة، وكما قد وطن نفسه على تقبل الأمور كما هي، والتأقلم مع الظروف مهما كانت ، فلم يمضي طويل وقت حتى ألف مدرسته ، وتعرف على زملائه وطبيعة الحياة الجديدة ، وسارت به الأمور على خير وجه ، وما أسرع ما انقضى العام الدراسي، الذي تحصل في نهايته على شهادة الكفاءة المتوسطة.
كان في هذه المرحلة قد ناهز سن البلوغ، ونضج عقله واكتمل إدراكه، وفهم طبيعة الحياة وحدد ما يناسبه، ويتوافق مع طبيعة نفسه ، واكتسب الخبرة والثقة بها ، لذلك اختار بعد أن استشار أخاه في الالتحاق بالثانوية العسكرية في مدينة الخرج، وكانت عبارة عن مدرسة داخلية، توفر لطلابها السكن والإعاشة، ولا تختلف كثيرا عن المدارس الثانوية الأخرى، إلا أنها تزيد عليها بوجود نوع من الانضباط العسكري داخلها، لكونها تؤهل خريجيها ليكونوا نواة للكليات العسكرية، وأما مقرراتها ونظامها فهي تتبع نظام وزارة المعارف ، وإداريا تتبع وزارة الدفاع ، فأيده أخوه على حسن اختياره، وأشعره بأنه أدرى بما يناسبه، وما تميل إليه نفسه ، ومع ذلك مخضه النصيحة، وأوضح له أن الحياة العسكرية حياة صعبة، على من لم يوطن نفسه على الجدية والالتزام ؛ لأنها حياة جادة وتتطلب السمع والطاعة المطلقة .
تم قبوله في هذه الثانوية، والتحق بها مرتاحا مطمئنا يرى مستقبله بكل وضوح ماثل أمامه ، فمضت به السنين ، سنة بعد أخرى ، حتى تخرج في السنة الثالثة من القسم العلمي ، وزاد انشراحه وارتفعت معنوياته ، وهو يبادر بالالتحاق بكلية الملك عبد العزيز الحربية، ومقرها الرياض ، وكان قد تمرس بالحياة العسكرية ، مع ما يتمتع به من جلد وصبر وطموح ، فترقى في مستوياتها حتى تخرج منها حاصلا على البكالوريوس في العلوم العسكرية، ورتبة ملازم في الجيش في 15/7/1400هـ .
وأثناء دراسته في هذه الكلية، حصل على دورة في القفز المظلي، من مدرسة المظلات بتبوك، وكذلك بعد تخرجه، وأثناء ممارسته الأعمال العسكرية التي انيطت به، لم يدع أي فرصة تتاح له في سبيل أن يتعلم أو ينال معرفة وعلما إلا وبادر إليها، سواء كان في تخصصه أو في غيره ، حيث حظي بالكثير من هذه الدورات العلمية والعسكرية ومنها:
1. دورة إشارة تأسيسية من سلاح الإشارة بالطائف.
2. دورة متقدمة في الإشارة من الولايات المتحدة الأمريكية بين عامي 1405 و1406هـ.
3. دورة في اللغة الانجليزية بمركز ومدرسة سلاح الإشارة بالطائف.
4. ماجستير العلوم العسكرية من كلية القيادة والأركان للقوات المسلحة بالرياض.
الحياة العملية:
بعد تخرجه مباشرة في 15/7/1400هـ عين في سلاح الإشارة (اتصالات الجيش) في مدرسة سلاح الإشارة بالطائف ، ضابط معلم بجناح المعدات الخطية ، وبقي في هذا العمل لمدة عام كامل .
تم نقله بعدها إلى لواء الملك خالد الرابع المدرع بخميس مشيط ، سرية إشارة اللواء ، قائدا لفصيل التموين والصيانة بالسرية.
وبعد فترة تم نقله إلى فصيل الخطوط، قائدا للفصيل في نفس السرية، وقد أمضى في هذه الوحدة سبع سنوات ونصف ، تخللها حصوله على دورة متقدمة في الإشارة، من الولايات المتحدة الأمريكية، وفي أثناء عمله في هذه السرية قام بعمل قائد السرية بالنيابة في بعض الفترات ، وحصل في هذه الأثناء على رتبة نقيب.
في تاريخ 1/8/1408هـ نقل إلى مدينة نجران قائدا للإشارة فيها ، وأمضى هناك خمس سنوات ونصف ، وحصل خلالها على دورة في اللغة الانجليزية بمركز ومدرسة سلاح الإشارة بالطائف.
نقل في عام 1414هـ إلى مدينة الطائف، حيث عين قائدا لجناح المعلومات بمركز ومدرسة سلاح الإشارة فيها ، وأمضى فيها أربع سنوات ، حصل خلالها على ماجستير العلوم العسكرية من كلية القيادة والأركان للقوات المسلحة بمدينة الرياض.
نقل في عام 1418هـ إلى مدينة تبوك في لواء الملك فهد الثامن ، قائدا لسرية إشارة اللواء ، ولكنه لم يمكث فيها إلا شهرا،حيث نقل اللواء بكامله إلى مدينة شرورة، وبعد مضي عام على عمله هذا في شرورة نقل قائدا لإشارة قوة شرورة ، وأمضى فيها سنتين.
تم نقله في عام 1421هـ، مساعدا لمدير الإشارة بالمنطقة الجنوبية في خميس مشيط ، وأمضى بها ست سنوات ، حتى أحيل على التقاعد في تاريخ 15/7/1426هـ وهو برتبة عقيد ركن.
أطال الله عمره، وختم بالصالحات أعماله، فحياته كلها عمل وإخلاص وكفاح وصبر وجلد ، وهكذا هي الحياة العسكرية، ليس فيها استقرار ولا راحة، بل سمع وطاعة في كل ما يصدر من ولاة الأمر ، فالتنقل بين فترة وأخرى ، من منطقة إلى أخرى ومن مدينة إلى مدينة، مع ما فيه من التعب والإرهاق له ولكل أفراد أسرته، فالعسكري وبالذات الضابط، يجب أن يكون دوما على أهبة الاستعداد متى ما طلب منه ذلك، فلا يتأخر عن الاستجابة لداعي واجب العمل دون تأخر أو تذمر أو نقاش.
لقد تحصل أثناء هذه المسيرة الطويلة والمشرفة ،على العديد من شهادات التقدير، ومن النياشين والأوسمة ومن ذلك :
• وسام الخدمة عن الفترة الأولى.
• وسام الخدمة عن الفترة الثانية.
• وسام حرب الكويت.
الحالة الاجتماعية:
متزوج من الفاضلة سارة بنت طاحوس السبيعي ولهما من الأبناء أربعة ولدان وبنتان :
1. عيسى يعمل عسكريا في القوات المسلحة في الخميس.
2. محمد خريج كلية التقنية ويعمل في شركة الراجحي المصرفية فرع محافظة العارضة.
3. فاطمة أم عمر لديها الشهادة الثانوية، متزوجة وربة بيت .
4. أحلام أم محمد شهادة البكالوريوس، متزوجة وربة بيت .
بارك الله فيهم ونفع بهم ، وبارك الله في صاحب السيرة وأجزل له المثوبة والجزاء ، وحفظ والدته وختم لها بالصالحات وأعظم لها الأجر والمثوبة.
قبل الختام:
نقدم لكم بعض الهدايا من روائعه الابداعيه، فهو شاعر متمكن في الشعر الشعبي، وبالذات العاطفي منه وفيما يلي نماذج بسيطة منها، نختم بها سيرته ونعوض بها ما ورد في المقدمة من معانات وصعوبات:

ومنها تحت عنوان فيفاء :
فيفاء يا جنة الفردوس فيها الجو رايق ## والجبال الشواهق كلها للفن لوحات
والقمم للسحاب العابرة دايم تعانق ## والمطر فوقها والسيل له فيها مسارات
والزهور الجميلة ريحها في الجو عابق ## بين ذيك الحدائق هب نسناسه بنسمات
والتطور وصل ولا يعوقه أي عايق ## له علامات مشهودة وللتحديث بصمات
طورتها بالإخلاص في كل المرافق ## باهتمام من الدولة وتوجيه القيادات
الثانية :
هام قلبي بوديانك في سفوحك وفي القمة ## يا ربا فيفاء الطاهر أنت في الأرض كالدره
أو كما البدر في العالي تشرق الأرض من نوره
فاقت الوصف أوصافك في علوك وفي الهمة ## ثم في حسنك الباهر في جماله وفي سحره
يعجز الواصف الماهر لو تفنن في تصويره
يذكرك كل من شافك كل ما هبة النسمه ## كم تغنى بك الشاعر في مقيله وفي السهره
ينتظر طيفك العابر قد ملك كل تفكيره
كيف وأنت القمر جارك وانت من دونك النجمه ## وأنت من فوقهم ظاهر يا جبل قد علا قدره
هذه حكمة الباري في الخلايق وتدبيره
الطرق تربط أطرافك والهواتف لها نغمه ## وأنت في عصرنا الحاضر يشملك كل تطويره
حكمة القايد الباني واهتمامه وتقديره
الثالثة :
من بديع المناظر ينشرح كل خاطر ## والمصيّف يجد فيفاء الهناء والسعاده
تستثير المشاعر كم خطر لي خواطر ## كل من جاء وزارك ينسى حتى بلاده
الهمت كل شاعر جوها جو ساحر ## تشفي النفس من كل الهموم العنيده
من يحبك يجاهر بعد ما كان صابر ## يعذره من قضى فيك الليالي السعيده
بعد بث مباشر كل مغرم يسافر ## بعد ما شاف حسنك في القناة الجديده
مر بي طيف عابر قلت ابشر وحاضر ## ما طلبته نلبي لك على ما تريده
قال لي جو ماطر في الجبال السواحر ## لا تفوتك زيارتها ولا هي بعيده
ومن شعره الغزلي الجميل:
له سلامي عدد ما لاح برق الشمال ## والتحية عدد نسمات ورد الجنوب
يا رسول المحبة قم وشد الرحال ## قم وبلغ رسالة قبل وقت الغروب
قبل ما يختلط نوره بنور الهلال ## حيث نوره عن البدر الحقيقي ينوب
وانتبه لا يصيبك في مقامه ذهول ## في حضوره وقدامه تذوب القلوب
يا قمر هل ترى غزوك علينا محال ## خفت من عاصفة ولا يهب الهبوب
قال حاول وجرب إن حصل لك مجال ## وانتبه لا تبيح السر عند الكذوب
شف وصالي على غيرك بعيد المنال ## له صعوبات فيها مثل خوض الحروب

الثانية:
الشباب الذي عانى متى يحسم خياره ## أو يضع في اعتباره لا أمل يلقى مراعين
كم من الناس له غزلان يحبسها بداره ## مقصده بالتجارة ما سمع صوت المنادين
تنظر العين لكن كل نجم في مداره ## ما تفيد الشطارة به رجوم (ن) للشياطين
والحدائق بمنظرها تشدك للزيارة ## والعنب والبخاره تسلب اللباب المساكين
العمر يا زهور الفل لا يمضي خسارة ## لا يعدي قطاره ما معك يا زهر عمرين
صح لسانه ونقف عند هذا الحد .....
فهذه شخصية فذة، وقصة واقعية، من قصص العزيمة والمثابرة، والجد والاجتهاد ، نال بفضل الله ثم بصبره وجلده، أعلى المراتب وأعلى الرتب ، قدوة بيننا لأجيالنا، يتعلمون منها الكثير من الدروس والعبر، حفظه الله وأدام توفيقه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

محبكم/ عبد الله بن علي قاسم الفيفي ــ أبو جمال
الرياض في 26/1/1434هـ

الشيخ عبد الله بن حسن علي آل سنحان الفيفي


منزل ومجالس شيخ شمل فيفاء حسن بن علي (رحمه الله )، كانت كلها مدارس تحوي علوم السياسة والرئاسة والكياسة، والفطنة والأدب والحنكة والإدارة، فيها فن التعامل وجميل الحوار والمنطق، وقوة الإقناع وفن التفاوض، وإدارة الأمور وتسيير المهام ، تستفيد منها وأنت عابر بها، فما بالك بمن يكون ملازما لها في معظم الوقت ، ليله ونهاره، يطّلع على ما يجري في العلن، وما يدور خلف الكواليس، فمن تربى في حضن هذه المدرسة أو الجامعة، وترعرع في جنباتها، ودرج في بساتينها وحدائقها، واستنشق من عبيرها، وقطف من ثمارها، ونهل من معينها ،وتشرب على مهل أسلوبها وطرقها ، فعرف مسالكها وسبر اغوارها ،حتى تصبح له طبيعة حياته، وأسلوب تعامله، ونمط سلوكه، وجوهر ذاته ، لا تجده إلا بشوش الوجه، ضاحك السن، طلق المحيى، يأسرك بحديثه وحسن عرضه وقوة إقناعه ، وجمال إنصاته وأدبه وفطنته وكياسته.
زان كل ذلك بعلم وإيمان ، وكثر تجارب وسعة اطلاع، واعتماده بعد الله على نفسه، أثناء غربته وفي تحصيله العلمي، ومن خلال اختلاطه بالآخرين، فتعرف على قدراته ومهاراته، وفحصها واختبرها وآمن بها، ثم أضاف إليها كثيرا من الخبرات والتجارب والمهارات على امتداد مسيرته ، فلما شب واكتمل عوده ونضج عقله ، مارس الحياة وانغمس في جميع أدوارها ، وتنقل في العديد من الأعمال الوظيفة الرسمية المتعددة ، معلما ومساعدا ومديرا، وتمرس في أعمال المال والإدارة، مديرا لبنك الرياض في فيفاء وفي أبي عريش ، ثم موظفا ناجحا في الداخلية ، في أمارة منطقة جازان ،في المقر الرئيسي لها، ورئيسا لبعض المراكز المهمة التابعة لها، واثبت في كل ذلك نجاحا وتفوقا .
وهو في حياته الخاصة شخصية متميزة ، لا تمل حديثه والجلوس معه، مكان ثقة وصدق وأمانة، وصفاء سريرة ونقاء معدن، انه ولا شك فرع من دوحة عظيمة ، من هذه الأسرة المباركة ، أجدني اقصر عن التعبير عن كل ما اعرفه عنه، فقد عاشرته سنين عديدة من الطفولة والى اليوم، وهو هو لا يتغير، كالمعدن الثمين في نقائه وثباته وغلاء قيمته، انه ولا شك الشيخ الفاضل عبد الله بن حسن بن علي بن يحيى بن شريف بن جابر آل سنحان المثيبي الفيفي . 
image

ثالث أبناء شيخ شمل فيفاء، الشيخ حسن بن علي يحيى (رحمه الله) من حيث العمر ، والشيخ حسن بن علي شيخ شمل فيفاء لأكثر من خمسة وخمسين عاما، قوة وحنكة وخبرة وشجاعة وريادة في كل المجالات ، كان من اكبر وأقدم مشايخ المنطقة والقطاع الجبلي بجازان في زمنه ، كان مدرسة بل جامعة في الإدارة والحنكة وحسن التعامل ، ففي بيته درج وعلى يده تربى وتعلم ،فنعم المربي والمتربي.
وأمه هي الفاضلة /نعمة بنت فرحان بن سالم السلعي الخسافي الفيفي (حفظها الله وختم لها بالصالحات) حيث ولد لهما في بيت الذراع في بقعة مروح في حوالي عام 1374هـ وان كان المسجل في بطاقته الشخصية انه من مواليد عام 1372هـ .


تعلميه:
كان لبعد منزلهم عن المدرسة الابتدائية الوحيدة في فيفاء، الواقعة في النفيعة، سبب في تأخره عن دخول المدرسة النظامية في سن الدراسة المقرر ، لضعف بنيته مع بعد المسافة وصعوبتها مشيا على الأقدام، ولا يوجد وسائل نقل وطرق سيارات حينها ، ولكن والده ألحقه بمعلامة الفاضل سليمان بن احمد علي المشرومي (حفظه الله)، القائمة في جامع مروح القريب من منزلهم، فحفظ فيها عدة أجزاء من القرآن الكريم.
ولما اشتد ساعده، وقوي عوده، التحق بمدرسة النفيعة الابتدائية، في حوالي عام 1385هـ ، وكان مقرها في تلك الفترة في بيت المربوعة المجاور لسوق النفيعة ، ولما كان في سن مناسب، وقد تهيئ في المعلامة، وأصبح يحسن القرأة والكتابة، ويحفظ عدة أجزاء من القرآن الكريم ، لذلك كان قويا في دراسته، متفوقا على معظم أقرانه، يتميز بالذكاء والنباهة والحرص، وقوة الاستيعاب ، وكان مع بداية صباح كل يوم ، ينطلق بعد صلاة الفجر سيرا على الأقدام في رفقة بعض أخوانه وأبناء جهته، يصحب بعضهم بعضا في طريقهم البعيد والشاق إلى المدرسة، وفي العودة بعد نهاية الدراسة كذلك، فيستأنسون مع بعضهم ويتشجعون ، وزاد انسه شخصيا، وارتفعت معنوياته بعد تعيين الاستاذ حسين بن جابر (حفظه الله) معلما في نفس المدرسة ، وهو الجار الملاصق لبيتهم (المحلة والذراع )، فكان الاستاذ حسين ينفحه بالكثير من التوجيهات والتشجيع ، ويستذكر معه ما يصعب عليه في بعض الدروس ،فكان يلازمه معظم الوقت لا يكاد يفارقه ، فتعلم منه الكثير والمفيد ، وكذلك الحال مع الاستاذ علي بن فرحان (حفظه الله) وهو من جيرانهم ، ولا ينسى فائدته الكبيرة من استاذه الفاضل الرحيم يحي بن علي حسن(رحمه الله).
ما أسرع ما انقضت السنين في هذه المرحلة ، ولا يبقى إلا ذكرياتها الجميلة، فهاهو في الصف السادس الابتدائي ، الذي يلزم طلابه في هذه المدرسة مع نهاية كل عام دراسي، تقديم اختباراتهم أمام اللجنة المركزية في مدينة صبيا ، وهو ما كان فقد نزل ضمن زملائه في ذلك العام ، وفي أثناء أدائهم الاختبارات، التي تستمر لما يقارب الأسبوعين ، مر بهم والده الشيخ حسن بن علي ،وهو في طريقه إلى مدينة جيزان ، لزيارة معالي أمير المنطقة الأمير تركي بن احمد السديري (رحمه الله) للزيارة والسلام عليه، فاصطحبه في معيته، وفي أثناء الحديث مع معالي الأمير، عرض على الشيخ إمكانية تعيين ولده هذا موظفا لديهم في الأمارة، بعد نجاحه هذا العام واستلامه للشهادة ، فرحب الوالد بعرض معالي الأمير، وراقت له الفكرة ، فالشهادة الابتدائية في ذلك الوقت تعتبر انجازا قليل من يحصل عليه، والنظرة إلى الشهادات حينها قاصرة على الحصول على الوظيفة الحكومية ، فكادت الفكرة أن تكون حقيقة ، وتكون منعطفا في حياته بكاملها ، ولكن الله لم يكتب له السير فيه.
بعد طلوع النتائج العامة للمرحلة الابتدائية في ذلك العام، كان من ضمن الناجحين، وأثناء ما هو يهيئ نفسه للوظيفة الموعودة ، وهو بين الفرحة والتردد ، مع أن الخيارات أمامه محدودة، سواء في مواصلة الدراسة ،فلا مجال لها في فيفاء ، فالدراسة تنتهي بالصف السادس الابتدائي ، ولا بد من مكابدة الغربة والبعد عن الأهل ،وتحمل المشاق خارج بلدته في مدينة أخرى يوجد بها مرحلة متوسطة ، وفرصة الحصول على وظيفة شيء نادر، وقل أن يتكرر مثل هذا العرض المغري، فمن الصعوبة التفريط فيه ، ولكن إذا أراد الله (عز وجل ) شيئا هيئ أسبابه، والخيرة فيما اختاره الله ، ففي تلك الأثناء من العطلة الصيفية زارهم في بيتهم خاله (لام) الاستاذ حسن بن فرح حفظه الله، وكان حينها مدير المدرسة الثانية في ابها ، وأثناء الحديث بينه وبين الوالد الشيخ حسن بن علي ، طرح عليه الشيخ فكرة الوظيفة المعروضة من قبل الأمير ، ثم استشاره فيها أو في مواصلة الدراسة، فما مضت تلك الزيارة في تلك الليلة إلا وقد تغير الاتجاه بالكلية ، لان الخال عارض بشدة فكرة ترك مواصلة الدراسة، بعذر الوظيفة مهما كانت، وهو ليس بحاجة حاليا إلى أي وظيفة، فما زال المستقبل أمامه ممتدا، ليتزود من العلم ويرفع من مستواه فيه ، ثم سيجد بعدها الوظيفة التي تليق به، بل اقترح فكرة أن يسافر في معيته إلى مدينة ابها، ويقيم لديه في منزله ، ويواصل دراسته المتوسطة فيها ، فكان ذلك الرأي متوافقا مع ما في نفس الوالد ،والذي أيدته الوالدة بقوة، لكونه سيضمن لابنها مواصلة دراسته، وهي مطمئنة عليه تمام الاطمئنان لدى خاله، وتحت إشرافه.
لذلك سافر مع بداية العام الدراسي إلى مدينة ابها ، واستقر في منزل خاله حسن بن فرح ، والتحق طالبا في المدرسة الثانية بابها التي كان الخال مديرها ، فاستقرت نفسه واتضحت الرؤية أمام ناظريه ، واقبل على دراسته بكل فرح واستبشار ، وجد واجتهاد، يلقى الرعاية والحفاوة والعناية والتوجيه ، فتفوق وأبدع واستوعب دروسه، وارتاحت نفسه واطمأنت ، فمضت الأيام والليالي مسرعة، واجتاز سنوات الدراسة في هذه المرحلة ، ونجح في السنوات الأولى والثانية ، وهو يعيش سعادة واطمئنانا،ولكن مع نهاية السنة الثانية صدر قرار تفريغ الاستاذ حسن بن فرح للدراسة في مدينة الرياض، لمدة سنة دراسية كاملة، مما أضطره إلى ترك مدينة ابها متجها إلى مدينة الرياض، ولأجل ذلك انتقل عبد الله إلى مدينة نجران، حيث يقيم خاله الشقيق الشيخ علي بن فرحان السلعي (رحمه الله) ، المعلم في المعهد العلمي بنجران ، فبقي في نجران ذلك العام الدراسي، وحصل خلاله على شهادة الكفاءة المتوسطة .
بعد حصوله على شهادة الكفاءة المتوسطة، وكان قد بلغ سنا اكتمل فيها شبابه، واستقل بفكره ونضج عقله ، فوازن بين ما يريد من الخيارات المتاحة أمامه، ولما كانت رغبته وحلمه أن يعمل في قادم أيامه في مجال التدريس، والوسيلة الوحيدة لتحقيق ذلك هي الالتحاق بمعهد إعداد المعلمين الثانوي ، وبعد التشاور والاستشارات عقد العزم على الالتحاق بالمعهد القائم في مدينة جيزان، حيث تقدم بشهاداته وأوراقه اللازمة للقبول ، وكان التسابق على القبول في المعهد على أشده، وتم له ما أراد بحمد الله وتوفيقه، وابتدأ الدراسة مع بداية العام الدراسي 1394/1395هـ ، وكان لمدير المعهد حينها الاستاذ يحي عباس الحكمي ، البصمة والتأثير الايجابي عليه حينها وفي مستقبل أيامه ، حيث كان يسعى دوما إلى تشجيع الطلاب الجادين ، وكان معظم طلاب المناطق الجبلية من هذه الفئة، الذين يلقون منه كل عناية واحترام وتقدير .
في سنوات الدراسة بهذا المعهد، كانت البداية الحقيقية له في الغربة، والشعور بالابتعاد عن من يراعي أموره الحياتية والمعيشية، حيث كان في المرحلة الابتدائية عند والديه، وفي المرحلة المتوسطة عند خاله حسن فرح في ابها، ثم عند خاله علي بن فرحان في نجران، وأما الآن في مدينة جيزان فهو وحيد لابد أن يراعى شؤونه بنفسه، فعليه الاعتماد الكامل عليها، ومراعاة أموره الدراسية والمعيشية ، وان كان قد بلغ مبلغ الرجال ولكن الغربة مع ذلك متعبة، وبالذات في تلك الفترة الخالية من وسائل الراحة، وفيها الانقطاع شبه التام عن الأهل ، تمضي عليه عدة أشهر لا يدري من وضعهم وهم كذلك، والحياة صعبة وضنكه ، والأمور غير متيسرة ، فتحمل كل ذلك وصبر وصابر ، وواصل دراسته وتغلب على كل المعوقات الحسية والمعنوية، حتى تخرج بجدارة يحمل شهادة المعهد مع نهاية العام الدراسي 1396/1397هـ .
وكان ديدنه التزود بكل علم وخبرة تعن له ، لم يتوقف لا قبل الدراسة النظامية ولا بعدها، من تثقيف نفسه وتعليمها، وإكسابها المهارات والخبرات اللازمة ، فبعد تعيينه على الوظيفة الرسمية وممارسته مهامه فيها، متنقلا في أكثر من قطاع ، في التعليم العام ، وفي العمل المصرفي الخاص في البنوك، وفي القطاع الأمني في الأمارة، كان لا يفتر يتلقى العديد من الدورات والبرامج التعليمية والمهارية والثقافية ومن ذلك :
أثناء عمله في بنك الرياض التحق بعدة دورات منها:

1. أساسيات عمل المصرف.
2. دورة تسويق الخدمات المصرفية ــ في جدة.
3. دورة في المالية والمحاسبة ــ في ابها.
4. دورة في القروض والتسهيلات ــ في ابها.
5. دورة في التخطيط والميزانية ــ في ابها.
6. دورة في تنمية الموارد البشرية.

وأثناء عمله في الأمارة التحق بعدة دورات منها:

1. دورة في التخطيط الحضري الخاص ـ أمارة منطقة جازان.
2. دورة في تحقيق النتائج من خلال الآخرين ــ أمارة منطقة جازان.
3. دورة في التخطيط الاستراتيجي ــ أمارة منطقة جازان.
4. دورة بعنوان (الدور التنموي لمحافظي المحافظات ورؤساء المراكز).
5. دورة في الإشراف الإداري بإشراف معهد الإدارة العامة ــ أمارة منطقة جازان.
6. برامج التنمية الإدارية.
7. برامج القوى العاملة .
8. برامج المالية والمحاسبة.
9. برامج السكرتارية وخدمة المراجعين.
10. برامج إعداد المدربين .

وغير ذلك من الدورات والندوات والمشاركات العلمية والعملية،ومن خلال الاجتماعات العامة والخاصة، واللجان التي تصقل المواهب وتكسب المهارات والخبرات الإدارية والعملية، في مجالات العمل الوظيفي وفي مجالات الحياة بصفة خاصة وعامة.
الأعمال الوظيفية :
بعد تخرجه من معهد إعداد المعلمين مباشرة في عام 1397هـ ، صدر قرار تعيينه معلما بمدرسة العدوين الابتدائية والمتوسطة، وكانت هذه المدرسة وما زالت من المدارس الطموحة في فيفاء ، تسعى دوما إلى إثبات مكانتها في مقدمة المدارس، من خلال تفوق طلابها وتميزهم ، والاهتمام بالأنشطة والمشاركات الفاعلة في خدمة المجتمع، بقيادة مديرها المتألق حينها الاستاذ حسين بن جابر (حفظه الله) والمدراء الذين تعاقبوا على إدارتها من بعده.
عمل بعد تعيينه في هذه المدرسة ، مع الاستاذ حسين بن جابر، استاذه في المرحلة الابتدائية وقدوته، واثبت جدارته لان يكون زميلا له ناجحا ، وكان هذا المدير كعادته لا يجامل أحدا، بل ويسعى إلى التخلص واستبعاد كل من ليس مناسبا، ومن ليس على قدر ما يؤمل منه، فنال تقديره ورضاه في كل ما أوكل إليه من مهام، في التدريس والنشاطات المتعددة، بل ولنجاحه وجدارته رشحه ليكون وكيلا له ومساعدا ، فكان كعادته يثبت نجاحه وتفوقه وإبداعه ، لأنه هكذا وهذه طبيعته وشخصيته ، فبرز جهده واتضح إخلاصه وتفانيه ، للأسباب التي ذكرنا، ويحفزه أنه وجد نفسه في هذا العمل الذي يمارسه ، ولما يجده من تشجيع وتوجيه وتحفيز، فأبدع وتألق.
ومع بداية العام الدراسي 1402هـ صدر قرار ترشح مدير المدرسة (حسين بن جابر) لاستكمال دراسته التكميلية في مدينة الطائف، وتفريغه لهذه الغاية ، فكلف وكيله باستلام إدارة المدرسة بدلا عنه، فكان خير خلف لخير سلف، قام على عمله ذلك على خير وجه، واستمرت المدرسة تسير على منهجها وطريقتها بنفس القوة والفاعلية والزخم ، ومضت به السنين على هذا المنوال يبدع ويتجدد ، ويواصل من نجاح إلى آخر، راض بما هو فيه وما هو عليه، وهاهو العام الثالث في الإدارة ، والعام السابع في سلك التدريس يمضي به في رضا تام يبذل ويجد ويجتهد ، ولكن الدوام على حال من المحال لغير الله عز وجل ، فما بين عشية وضحاها يغير الله من حال إلى حال ، تغير اتجاه البوصلة وتغير المسار، على غير سابق إنذار أو إعداد وتهيئة ، وهاهو يضع قدمه في بداية طريق آخر، لا يدري إلى أين سيتجه به، والى أين يوصله ، يدلف إلى طريق ومجال وأفق رحب آخر، مغيبة عنه نهايته وغايته ونتائجة ، ولا يدري هل سيحقق فيها نفسه وكيانه، أم يريد الله له غير ذلك.
تغير المسار الوظيفي:
في احد أيام عام 1405هـ ، حضر وفد من الإدارة العامة لبنك الرياض المصرفي ، في رفقة مدير فرع البنك بجازان الاستاذ/ يحيى الرفاعي، لزيارة فيفاء ضيوف عمل على سعادة شيخ شمل فيفاء حسن بن علي (رحمه الله) ، للعمل على افتتاح فرع لبنك الرياض في فيفاء، واختيار الشخص المناسب من أبناء فيفاء لإدارته ، وقد وقع اختيارهم على الاستاذ (عبد الله) ليشغل هذا المنصب ، وكانت مفاجئة له في البداية ، وتردد في الإقدام على مثل هذه الخطوة ، لكونه مرتاحا في عمله الذي هو فيه (مدير لمدرسة العدوين الابتدائية والمتوسطة) وراض عن عمله تمام الرضى ، ولمعرفته أنما سيقدم عليه مغامرة في حد ذاتها غير مضمونة العواقب ، وإدراكه اختلاف العمل الحكومي الذي هو فيه ، عن العمل في القطاع الخاص الذي سيقدم عليه ، والبون الشاسع بينهما ، وبالذات الأعمال المالية والمصرفية في البنوك التي لا يفقه كثيرا فيها، فالعمل الحكومي مع أهميته القصوى، وبالذات في مجال التربية والتعليم، عمل مضمون وآمن، وقد خبره وارتاح فيه ونجح نجاحا يرضيه ، بخلاف العمل التجاري في البنوك والمصارف ، فهو في طبيعته عمل يخضع للربح والخسارة ،والموظف المسؤول فيه يدور على هذين القطبين، لذا ليس مستبعد أن يجد نفسه بين عشية وضحاها مطرودا دون عمل، إن لم يحقق للبنك ما يؤمله من النجاح والكسب ، وجلب المردود الايجابي الذي يسعى إليه ، فمستقبله على كف عفريت (كما يقال)، فأما أن ينجح وهو ما سيحرص عليه ولا شك ، فيعلوا في الآفاق ويترقى في درجاته، أو يهوي به حظه العاثر إلى الحضيض ويفقد كل شيء.
ولكن عندما لفت والده نظره إلى الجانب الايجابي من وجود البنك، وما سيجنيه أبناء فيفاء وما جاورها من خلال ذلك ، والخدمات التي سيقدمها لهم ، والتسهيلات المهمة والجليلة للمجتمع بكامل أطيافه ، من صرف المستحقات والتحويلات، والكثير من التعاملات البنكية التي أصبحت ضرورية في هذا العصر، وتخفيف كثير من المعاناة والمشقة التي يتكبدها أبناء هذا القطاع في سبيل الوصول إلى مقرات البنوك البعيدة ، كل ذلك جعله يستسهل كل تضحية يقدم عليها ، وبالذات وطبيعة نفسه تتوق دوما إلى حب التغيير، وتنزع إلى التعرف وتجربة كل جديد ، وبعد التفكير الجاد والاستخارة والمشاورة توكل على الله وقرر القبول بهذا العمل، يحدوه الأمل أن يكون في ذلك النفع والمردود الايجابي لمجتمعه .
ابتدأت الترتيبات من تلك اللحظة ، حيث توجه إلى مدينة جدة لمقابلة المسؤولين في الإدارة العامة للبنك، وبعد التفاوض واطلاعه على المزايا التي سينالها، وماله وما عليه، والصلاحيات المخولة له، جرى توقيع عقد العمل مع البنك ، وانطلق لمتابعة انفكاكه من العمل الحكومي الذي يشغله ، حيث قدم استقالته من إدارة التعليم ، وسعى بكل نشاط واجتهاد لاستكمال تأسيس البنك على الواقع، ليمارس مهامه المأمولة في اقرب وقت .
وبعد اختيار المقر المناسب للبنك، الذي كان في جوة آل شراحيل، جرى العمل الجاد على تهيئته بكل ما يلزم من أجهزة وأدوات، وتعيين الموظفين الأكفاء من أبناء فيفاء، وتدريبهم على جميع أعمال البنك الذي تم في مقر البنك بمدينة جيزان ، فلم تمض بضعة أشهر إلا والبنك كيان قائم على قدميه ، حيث تم افتتحه رسميا بموقعه الجديد ، بكامل طاقمه من إدارة وموظفين ، ومارس عمله الجديد بكل دراية واقتدار، وقد استوعب عمله كمدير له مهامه وصلاحياته ،وسارت به الأمور من حسن إلى أحسن ، ومن يوم إلى يوم يتعلم جديدا، وترتفع قدراته وخبراته وثقته بنفسه ، فاثبت نجاحه واكتسب خبراته ، وما أسرع ما تفوق في مجاله وأبدع ، مما جعل الإدارة العامة للبنك ترتاح إلى هذا التقدم والتفوق ، فنال الحظوة لديهم والثقة ، التي انعكست على البنك وأعماله ، فكان النجاح عنوانه وطريقه .
مضت السنين وهو يجني نجاحا عقب نجاح ، ودليل نجاحه انه بعد فترة تمت ترقيته إلى درجة أعلى، وتكليفه بالعمل مديرا لفرع البنك في مدينة أبي عريش ،وانتقل إلى هناك وقد كسب خبرة ودراية ، واستمر عمله في بنك الرياض (فرع فيفاء ثم أبي عريش ) لأكثر من عشر سنوات ، ولكنه لم يعد يحتمل الاستمرار في هذا المجال، فعمل البنوك عمل مرهق ومتعب، استنزف جهده وطاقته، واخذ كل وقته ونشاطه ، فدوام البنوك في ذلك الوقت على فترتين صباحية ومسائية، لا تترك لك مجالا لمتابعة أمورك الخاصة والعامة، لا في بيتك ولا مع أسرتك، أو التواصل الاجتماعي كما ينبغي ، وطبيعة شخصيته لا تتوائم مع هذا الأسلوب ،ولم يطق الصبر زيادة على هذا الحد ، فسعى جادا إلى البحث عن مجال آخر، يتوافق مع طبيعة نفسه الاجتماعية، وارتباطاته الأسرية والعائلية ، وبالذات في هذه الفترة حيث أن أبنائه أصبحوا شبابا، في مراحل متقدمة من الدراسة ، يحتاجون إلى أن يكون أكثر قربا منهم، يعينهم على اجتياز هذه المرحلة العمرية بأمن وسلام .
العودة إلى الوظيفة الحكومية:
أمضى في البنك أكثر من عشر سنوات، كانت حافلة بالجد والاجتهاد والعمل الدؤوب، الذي استنفد كل طاقته ومخزون نشاطه، وعزلته كثيرا عن واجباته الاجتماعية والأسرية، مما حدا به إلى أن يقرر الانفلات من هذا الرباط الثقيل ، الذي لا يناسب ظروفه وطبيعته ، وبحث عما يناسبه في أكثر من موقع ، وفي عام 1417هـ تقدم بطلب نقل خدماته إلى أمارة منطقة جازان ،حيث تمت الموافقة على تعيينه لديها على وظيفة (باحثا قضايا) في الشؤون الأمنية في المقر الرئيسي ، لذلك باشر عمله فيها رغم فقده كثيرا من الميزات المالية التي كانت تأتيه في عمله في البنك ، ولكنه ضح بها وأقلم نفسه على وضعه الجديد ، وما أسرع ما ألفه وارتاحت له نفسه، وتعود على وضعه الجديد، وأتقن طبيعة العمل ومهاراته، وتعرف على خفاياه وأسراره ، فنجح وأبدع ونال ثقة المسؤولين وارتياحهم ، لجديته المثالية ، واستيعابه كل ما أوكل إليه من أعمال ومهام وواجبات ، وحرصه على أدائها على خير وجه وأتمه ، وفي هذه الفترة وقد أوكل إليه كثير من المهام والأعمال والواجبات ، التي شارك فيها وترأس من خلالها في العديد من اللجان والاجتماعات ، وكان لمشاركاته الفاعلة الدور في انجاز كثير مما اسند اليه منها ، ومن أهم المشاركات وأبرزها:
1. رئيس اللجنة الحدودية ، والقيام بجولات لتحديد الحدود الإدارية لكل محافظة ومركز.
2.رئيس اللجنة المشكلة من الجهات الأمنية، ووزارة الدفاع والطيران ، لدراسة اختصاص كل جهة منها على ساحل البحر ، وتحديد النقاط التي تخص وزارة الدفاع والطيران .
3. رئاسة لجنة للإشراف على تقدير وبيع السيارات المقبوض عليها لدى الجمارك.
4. رئاسة لجنة أمنية للإشراف على إتلاف بعض المتفجرات والألعاب النارية، التي يتم القبض عليها من حرس الحدود والجهات الأمنية الأخرى.

استمر في عمله هذا لأكثر من سنتين ، ولتعثر صحة والده الشيخ حسن بن علي (رحمه الله) في تلك الفترة ،واحتياجه إلى زيادة العناية به والقرب منه، استدعاه ذلك إلى طلب نقل خدماته لمكان قريب من سكن والده، فتمت الموافقة على نقله إلى محافظة الداير وذلك في عام 1419هـ ، وكان عمله فيها مديرا عاما للحقوق، ومسؤولا عن الموظفين ، وكان يقوم بأعمال المحافظة في حالة غياب المحافظ في الإجازات العادية، أو عند قيامه بمهمات رسمية خارج المحافظة .
في عام 1423هـ تمت ترقيته ونقله مديرا للشؤون الخاصة بالأمارة ، وكان هذا العمل يتطلب ملاصقته لسمو أمير المنطقة (حفظه الله)، وبقي يؤدي عمله على خير وجه لأكثر من عامين ، وفي عام 1425هـ وجه سمو أمير المنطقة بترشيحه رئيسا لمركز الخشل بمحافظة الحرث .

وباشر عمله الجديد في المركز كعادته بكل اقتدار ، وما أسرع ما نال النجاح، وخدم المركز وطوره وقدم لأهله والقرى التابعة له، خلال فترة عمله التي استمرت أكثر من (6) سنوات، الكثير من الخدمات والمصالح الحيوية الهامة ، ومنها :

1. متابعة افتتاح الحزام الدائري للخشل، ومساندة المشايخ والمواطنين في سبيل تحقيق ذلك، بالاتصال والمتابعة بجميع الجهات ذات العلاقة .
2. السعي الجاد والمثمر في إيصال التيار الكهربائي لمعظم القرى التي لم يصلها من قبل، وإنارة الشوارع العامة .
3. متابعة مشاريع التعليم (بنين وبنات)، وسهل على إدارة التربية والتعليم الحصول على الأراضي لإقامة المشاريع التعليمية ، حتى أصبحت كل مدارس مركز الخشل والقرى التابعة له في مبان حكومية.
4. سهل لرجال الأعمال في المنطقة سبل الاستثمار التنموي في المركز .
5. ترأس جميع اللجان الأمنية في المركز، ونظرا لحساسية موقع المركز الحدودي، حث المشايخ على التعاون الجاد مع الجهات الأمنية.
6. أسهم بشكل كبير في إحداث مركز للشرطة بالمركز .
وكان خلال هذه الفترة يكلف بالقيام بعمل محافظ الحرث، في أثناء تمتعه بالإجازات الرسمية ، بالإضافة إلى عمله في المركز.
وكانت له مشاركات فاعله، سواء أثناء قيامه بعمل المحافظة، أو رئاسة المركز، في ترأس اللجان الأمنية، ومتابعة الأحداث، وملاحظة الأوضاع ، أثناء الأزمة مع الحوثيين ، وأثناء تنفيذ التوجيهات بإخلاء القرى القريبة من الحدود ، لئلا يتعرض مواطنيها للأذى ، بعد أن تمت تهيئة أماكن الإيواء لهم ، ونقلهم إليها.
في نهاية عام 1431هـ تم تشكيل جديد للمحافظين ورؤساء المراكز ، ونقل على أثرها إلى رئاسة مركز السهى التابع لمحافظة صامطة ، وباشر عمله في المركز الجديد ، واستمر فيه لأكثر من سنة ونصف، إلى أن أحيل على التقاعد لبلوغه سنه النظامية ، حيث أحيل على التقاعد في 1/7/1432هـ ، بعد حياة حافلة بالأعمال الجليلة النافعة ( بمشيئة الله) خدمة لدينه ثم لوطنه وولاة أمره، امتدت لما يقارب خمس وثلاثين سنة.
وقد نال طوال خدماته الطويلة والمتعددة الجوانب ، الكثير من شهادات التقدير والثناء، خلال ما مارسه من أعمال طوال حياته العملية، يسأل الله أن تكون خالصة لوجه الكريم سبحانه وتعالى، ومن تلك الشهادات التقديرية :
• شهادة شكر وتقدير من قاعدة الملك خالد الجوية، لقيامه بمرافقة اللجان وتسهيل مهامها، لتحديد مناطق الرصد على ساحل البحر الأحمر .
• شكر وتقدير من مدير عام التربية والتعليم، لرعاية فعاليات الخدمة العامة لمنتزه وادي الدحن.
• شكر وتقدير من مدير عام الدفاع المدني بمنطقة جازان بمناسبة اليوم العالمي للدفاع المدني للمشاركة ورعاية العرض المصاحب بمركز الدفاع المدني في محافظة الحرث.
• شكر وتقدير من عدة جهات حكومية متعددة ومشايخ المحافظة والمراكز.

بعد التقاعد:
لم يتعود الكسول والخمول، لذلك واصل نشاطاته في مجالات الحياة المتعددة، بل كان لانفكاكه من الرباط الرسمي الذي تمليه عادة الوظيفة، دور في أن يجد نفسه في كثير من المجالات الاجتماعية وفي جميع نواحي الحياة، وله أدواره ومشاركاته المتعددة في الحياة متواصلا بكل جدية واقتدار، يخدم مجتمعه ويسعى إلى أن يكون مؤثرا وايجابيا ، ولموقعة القريب من أخيه سعادة شيخ شمل فيفاء ، الحضور المتميز فهو معه دوما، حاضرا بفكره ورأيه وجهده ، وله العديد من الأدوار المؤثرة والمتعددة في الحياة مما لا ينكر في كل نواحي الحياة من حوله سواء في فيفاء أو على مستوى المنطقة ، يبذل جهده لما فيه نفع ومصلحة الناس والمجتمع من حوله، فهو إنسان ايجابي ومؤثر في المحيط الذي هو فيه، لا يبخل عن تقديم كل ما فيه الصالح العام لمجتمعه ، كان من أيام والده (رحمه الله)، الذي طالما كان يشركه في كثير من أعماله الخاصة والعامة ، ويكل إليه الكثير من المهام، وبعض اللجان والواجبات سواء في معيته أو بالنيابة عنه ، وهاهو مستمر على هذا المنوال مع أخيه سعادة شيخ شمل فيفاء الشيخ علي بن حسن (حفظه الله) معينا ومساندا وظهيرا ، وفقهم الله وأعانهم وسددهم.
وحيث أن معظم إقامته اليوم في مدينة جيزان ، من اجل دراسة أبنائه في الجامعة والتعليم العام ، لذلك كعادته سعى وبعض أبناء فيفاء المقيمين معه هناك وفي بعض مدن المنطقة، إلى تكوين رابطة يلتفون حولها، تعينهم على تحقيق التعارف والتالف والتعاون فيما بينهم على البر والتقوى، ولتحفظ لهم ترابطهم وتستوعب شبابهم، فيما يصلحهم ويشغل أوقاتهم بالصالح المفيد ، ومع الرفقة الطيبة المأمونة ،فاجمعوا على تأسيس ملتقىً، يتضمن في أهدافه كل هذه الوظائف وغيرها، مما يقوي اللحمة ويرفع من قوة التقارب بينهم وبين مجتمعهم الأم ، فكان ملتقى أبناء فيفاء في جازان، وهو اليوم من انجح الملتقيات لأبناء فيفاء في مناطق مملكتنا الغالية، حيث حقق في السنتين الماضيتين وهي عمره، كثيرا مما عجزت عنه مثيلاته الأكبر عمرا، وما ذلك إلا لجدية القائمين عليه، وهو لا شك في مقدمتهم، وقد أحسنوا الاختيار حين اختاروه رئيسا لهذا الملتقى، في أول جلساته التأسيسية ، ومازال يقوده بكل اقتدار ويمنحه الكثير من جهده ووقته وخبراته، زاده الله توفيقا وبارك فيه وفي جهده وعمره وعمله وكثر في مجتمعاتنا من أمثاله.
الحياة الاجتماعية:
متزوج من الفاضلة / عائشة بنت حسن يحيى آل سنحان الفيفي ولهما العديد من الأبناء والبنات وهم على النحو التالي:

1. محمد معلم في احد مدارس مدينة جيزان الثانوية .
2. ماجد موظف بمركز الخشل .
3. أيمن يعمل بالدفاع المدني بمحافظة الداير.
4. عبد الرحمن طالب في جامعة جازان.
5. عبد الرحيم طالب في المرحلة المتوسطة.
6. بدر طالب في المرحلة الابتدائية.
7. إيمان متزوجة.
8. نجوى طالبة في جامعة جازان.

بارك الله فيها من أسرة مباركة ووفقها إلى كل ما يحبه ويرضاه ، وأدعو الله لصاحب السيرة بدوام التوفيق والسداد، وان يمد في عمره على طاعته، ويختم له بالصالح من القول والعمل.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

محبكم/عبد الله بن علي قاسم الفيفي / أبو جمال
الرياض في 20/12/1433هـ

العميد ركن فني الدكتور هادي بن يحيى علي الفيفي


هادئ كاسمه في سمته وأقواله وتعامله، طلق بشوش المحيى، ولكنه في حقيقته شعلة من العزيمة والإصرار والتحفز والمضاء، صلب الإرادة قوي ذكي طموح، متطلع دوما إلى الأمام والى معالي الأمور، رافع رأسه، ماض في سبيله، لا يهاب ولا يتردد، فهو في الفعل صقر من صقورنا البواسل، في احد فروع جيشنا السعودي العظيم، في سلاح القوات الجوية.
يعشق التحدي، ويصر على النجاح، يقول في معرض حديث خاص وصريح عن نفسه، إن نفسه لا تقبل الاستفزاز والتحدي، فإذا ما أقبلت على شيء من هذا القبيل ، واستفزت وتحديت ، تحفزت له وزادها ذلك إصرارا ودافعا إلى بلوغ الغاية في هذا الشيء، بل ولا ترضى منه حتى تنال فيه التفوق المطلق ، ونجد مصداق قوله في كل أموره وأحواله، والى ما وصل إليه ،وكمثال وشاهد انه بعد قبوله في كلية الملك فيصل الجوية ، وما اعترضه في أثناء القبول ومن بعده ، وبالأخص ما واجهه فيها مع مادة اللغة الانجليزية ، وهي اللغة التي تدّرس بها جميع المواد والعلوم في هذه الكلية ، وكان التحدي الأشد في مرحلة المستجد ، حيث بدأت الدراسة فيها بكتاب يرمز له بـ (500)، وهو أدنى كتاب يدرّس عادة في الكلية، والمدرسون فيها هم من الجنسية البريطانية ، فلما لاحظوا ضعفه الشديد في هذه اللغة ، واستفسروا منه عن أسباب ذلك، تحجج بكونه خريج المعهد العلمي بفيفاء المفتتح حديثاً، وأنهم لم يدرسوا اللغة الإنجليزية عن طريق استاذ متخصص ، وكان يظن أن جميع خريجي المعاهد على هذا المنوال من الضعف فيها ، ولكنه لم يكن كما ظن ، حيث عرف بعد ذلك أن الضعف لديه وحده ، لقصور تأهيله في هذه المادة ، وعندما استشعر هذا الضعف ، وما كان يسمعه من تندر بعض الطلبة عليه، حينما لا يستطيع الإجابة عن الأسئلة البديهية، استفزه ذلك وأشعره بالغبن والقصور ،فكان هذا الإحساس دافعاً له إلى بذل المزيد من الجهد، والسعي إلى تلافي هذا النقص ، وبالذات عندما أدرك أن أمامه (48)أسبوعاً لكي يرفع من حصيلته فيها إلى ما لا يقل عن (75%) من درجتها ، أو ليغادر الكلية منكس الرأس، حاملا خيبته وفشله، ومودعا أحلامه وآماله، لذلك لم يمضي عليه سوى (36) أسبوعا حتى استطاع الحصول على هذه الدرجة وأكثر.
بهذه العزيمة والهمة والإصرار، تفوق على نفسه وفاق أقرانه، وتغلب على كل خلل أو ضعف وجده لديه ، وصعد المجد والنجاح درجة درجة، إلى أن تربع في الأعالي وفي رؤوس القمم ، وما يزال بفضل الله وتوفيقه مواصلا ومتابعا للصعود والتمكن، وفقه الله وسدده إلى ما يحبه سبحانه ويرضاه.
انه العميد ركن فني الدكتور/ هادي بن يحيى بن علي بن سالم آل حاليه الخسافي الفيفي

image

والده كما ورد هو يحيى بن علي (حفظه الله) ، كان يحترف الزارعة، الحرفة الوحيدة في زمنه وبلده، وكان يقرأ قراءة بسيطة، ولكنه يقدر العلم وأهله ، فأسرتهم أسرة علم ودين، فوالده الشاعر علي بن سالم (رحمه الله) معروف بالتدين والحكمة، ورجاحة العقل والرأي ، شاعر مجيد له قصائد كثيرة ، وبسبب موته ومازال (يحيى ) صغيرا حرمه ذلك من إن يتفرغ للعلم ، لليتم ولظروف العصر ، فسعى جاهدا أن يحقق ما لم ينله في أبنائه ، فكانوا على قدر ما أمل ، وكلهم ذلك المتميز (ذكرهم وأنثاهم)، نالوا أعلى الشهادات وارفع الدرجات ، وبفضل الله وتوفيقه فمنهم اليوم القاضي والضابط والمعلم، بارك الله فيهم جميعا ،وجزى الوالد خير الجزاء، وكثر من أمثاله من الآباء الواعين، المدركين لمعنى الأبوة ، وكانت ولا شك شريكته في تحقيق هذه النتائج ، زوجته الفاضلة الأم الرءوم/ حاليه بنت شريف حسن الخسافي الفيفي، حيث كانت نعم الزوجة والأم المربية الصابرة المحتسبة ، ختم الله لهما بالصالحات وغفر لهما.
ولد لهذين الأبوين الكريمين، في بيتهما الهطل، الواقع في الجهة الشرقية، من الجبل الأعلى من فيفاء، في عام 1385هـ
تعليمه:
عندما بلغ سن الدراسة، ألحقه والده بمدرسة النفيعة الابتدائية، اقرب المدارس لبيتهم حينذاك، وذلك في بداية العام الدراسي 1391 / 1392 هـ ،ورغم بعد المسافة التي يلزمه قطعها يوميا سيرا على الأقدام، لأكثر من ساعة ذهابا وإيابا ، حيث لا توجد حينها طرق للسيارات في فيفاء، ومع ذلك فقد كان سعيدا متفائلا، يذهب في رفقة أخيه الأكبر (فرحان)، ومجموعة من أبناء جهتهم، فاخذ الأمر بجدية من أول يوم، يحافظ على حضوره، مجدا في دروسه، ناجحا متفوقا يتقدم عاما بعد عام .
سارت الأمور على هذا المنوال إلى أن تخرج أخوه من المدرسة، وانتقاله إلى خارج المنطقة ليواصل دراسته المتوسطة وما بعدها، ، فتغير الوضع عليه قليلا، يقول عن ذلك : في الصف الخامس الابتدائي تأخرت يوما عن الحضور، لغير ما سبب موجب ولكنه التكاسل والتهاون ، فخشيت عقاب المدرسة على ذلك ، أو هكذا توهمت، ومن شدة الخوف فقد التفكير المنطقي السليم، وحار فيما يصنع، ثم هداه تفكيره القاصر، وخوفه المستحكم المسيطر، إلى مواصلة الهروب، وعدم الوصول إلى المدرسة، فكان يختفي في عرض الطريق، فيظن أهله انه في المدرسة، والمدرسة يحسبونه في البيت، وكان مخبأه في ظل أشجار ملتفة منزوية عن الطريق، والوقت في تلك الأيام شديد الضباب ، فيظل يومه متواريا عن المارة، ولما كان الموقع قريبا من بيت (المخال) المجاور لجامع نيد اللمة (جامع الشيخ ابن باز حالياً)، وقد لمحه بعض المارة وعرفه بعضهم ، ولكن من باب الرحمة والشفقة (كما يتصورون ) تغافلوا عنه وكأنهم لم يلحظوه ، وقالوا بلسان الحال لا المقال (لا شأن لنا به) ولكن لما نبه بعضهم صاحب المخال (الفاضل هادي بن أسعد الظلمي) عليه، واخبره بمكانه الذي هو فيه ، غضب على من اخبره وقال له لماذا لم تقنعه بالذهاب إلى المدرسة، أو تعلم أهله عنه، فإنهم في الغالب لا يدرون عنه ، وقال بعضهم لا شان لنا به ، فقال لهم لو كان أحدكم مكان أبيه لما رضي أن يكتم عنه أمر أبنه.
يقول: ثم جائني في مخبئي ، وناقشني في ما أقوم به ، وأوضح لي خطأ تصرفي ، ثم شجعني على العودة إلى المدرسة، وأخذني بالترغيب والترهيب ، ولمح لي بأنه سيخبر والدي أو مدير المدرسة إن لم اعد من نفسي ، ومازال بي حتى أزال خوفي، وعدت وانتظمت في مدرستي ، يقول وما أزال أحفظها له إلى اليوم والى ما لانهاية، وأدعو له كل ما ذكرت ذلك، وأقول (جزاه الله خير الجزاء ، هذا هو شأن الجار الصالح الذي يحب لأخيه ما يحب لنفسه) ونحن نردد معه جزاه الله خيرا من رجل صالح موفق.
واصل دراسته في مدرسة فيفاء الأولى، حتى تخرج منها في عام 1397هـ ، وفي هذا العام افتتح المعهد العلمي بفيفاء، فكان في أول دفعة التحقت به، وترقى في فصوله، المتوسطة ثم الثانوية، إلى أن تخرج منه في عام 1403هـ ضمن أول دفعة .
ومن بعض ذكرياته في هذه المرحلة، وعن بعض الشخصيات والمواقف ، ما يذكره عن مديره فضيلة الشيخ موسى بن حسين ضيف الله الفيفي (حفظه الله) ، الذي كما يقول عنه ، أن له أثرا كبيرا في حياته لما يتميز به من وقار وقدوة صالحة ، ولكونه قائدا متميزا، ومديرا ناجحا مهيبا، وحازما ومؤثرا ، ثم ما يذكره عن استاذه الفاضل عبد الله بن سليمان الظلمي، مدرس مادة الجغرافيا، الذي كما يقول عنه انه حبب إليه والى زملائه هذه المادة ، لما يجدونه فيه من قدوة ومثال عال ، ثم وهو يصحبهم في طريقهم إلى المعهد ذهابا وإيابا ، وهم يمشون خلفه بوقار ومهابة واحترام ، ودوره حفظه الله في مجتمعه ،وهو يخطبهم في الجمعة في جامع نيد اللمة (جامع الشيخ بن باز حاليا ) ، فكان يختار مواضيع لخطبه مناسبة لظروف الحاضر ومؤثرة مفيدة.
ويستطرد قائلا: أن المرحلة الثانوية كانت من أجمل أيام حياته، كان فيها من الزملاء المتميزون، الذين يرتقون بمستوى زملائهم، ومنهم : الشيخ عبد الله بن حسن العمري ( مدير المعهد العلمي حاليا) وحسين بن يحيى العمري ( مدرس بالمعهد حاليا ) ويحيى بن جابر المشنوي وغيرهم ، وممن يعتز بزمالتهم لما اتصفوا به من المثابرة والكفاح، الطالب يحيى بن قاسم الداثري، الذي ألتحق بالمعهد وكان كبير السن بل من أكبر الطلاب سنا ، وكان متزوجا ويعول أسرة ، وليس له دخل إلا مكافأة المعهد ، وتميزه يزداد بوضعه الصحي ، حيث سبق أن وقع له حادث بترت بسببه كف يده اليمنى ، فجاهد واجتهد وواصل دراسته ، وتغلب على وضعه وعلى فقد كفه اليمنى، فدرب يده اليسرى على الكتابة حتى أتقنتها ، ونجح في دراسته وتفوق فيها، وكان مع ذلك يحفظ القرآن الكريم كاملا ، فكان هذا الزميل محل إعجاب وتقدير واحترام من المدرسين والزملاء، وقد عمل بعد تخرجه من المعهد ، كاتب ضبط في المحكمة الشرعية في فيفاء، إلى أن احيل على التقاعد من فترة قريبة.
ومما يذكره عن هذه المرحلة المهمة في حياته التي كان يمر خلالها بمراحل بداية الشباب وتبلور الشخصية المستقلة ، انه كان يعمل مع أبيه في مزرعتهم وبالذات في العطل وفي المساء بعد عودته من المدرسة، حتى تمرس في ذلك وأصبح يجيد جميع أعمال الزراعة والحرث وكذلك البناء ، بل كان أحب الأعمال إليه (البناء بالحجر)، فكان يبني المدرجات والجدران الصغيرة عند سقوطها، نتيجة الأمطار الغزيرة(الخرم).
ولكن حبه لهذا العمل وإتقانه له، كان يقلق والده، خشية أن يؤثر على دراسته ، فكان الأب حريصاً كل الحرص على أن يواصل دراسته، ولا ينقطع ولا ينشغل عنها مهما كلفه ذلك ، وشاركه في نفس القلق العم الشيخ أحمد بن علي سالم (رحمه الله)،لنفس السبب ، فكان من عبارات العم التي يكرر عليه إذا رآه منهمكا في احد أعمال المزرعة ، أن يخاطبه في عتاب أبوي (إننا نستطيع إحضار من يعمل في المزرعة وغيرها، ولكن لا نستطيع أن نأت بمن يذاكر عنك دروسك) حتى انه كان لا يمارس هذه الهواية في حضور أي منهما .
وكان من أعظم أحلامه في هذه المرحلة (الثانوية) ، في أن يصبح طيارا، وأن يلتحق بكلية الملك فيصل الجوية، حبا وإعجابا منه للعسكرية وللطيران بالذات، وخاصة الطيران العمودي، فقد بهره منظر الطائرة العمودية، وهي تهبط وتقلع من المكان المخصص لها في بقعة العذر ، لا تحدها حواجز أو عقبات ، وبسبب ذلك الحب والتعلق قرأ كثيرا عن الكلية الجوية ، ولكن مما كان يحبطه أن الدراسة فيها باللغة الإنجليزية ، فيشعر باليأس وانه قد لا يتحقق له القبول فيها ، ويرى انه سيكون مستحيلا ؛ لما يواجه من صعوبة في هذه اللغة تحدثاً وكتابة، بل يشعر انه لا يجيد أساسياتها ، ومن أسباب ذلك كون المعهد حديث التأسيس، وعلى مدى سنواته الأولى لم يتوفر له معلما متخصصا في اللغة الإنجليزية، إلا ما يقارب فصلا دراسيا واحدا، ويعود ذلك لصعوبة المنطقة، وعدم رغبة معظم المعلمين البقاء فيها، ولديهم فرص متاحة في معاهد أخرى، أماكنها أفضل وأسهل من فيفاء ، وكان من حظ المعهد العاثر ، انه كلما عين له متخصص في الانجليزية ، حصل له ظرف يحول دون استمراره فيه، حتى أن أحدهم تعثر فسقط وأصيب بكسر في ظهره .
لذلك فعندما تخرج من المعهد العلمي بفيفاء ، مع أول دفعة تخرجت منه ، كان قد بلغ منه اليأس في أن يحقق حلمه ذلك مبلغا كبيرا، وما باليد حيلة كما يقال، لأجل ذلك توجه تلقائيا مع معظم زملائه، يحمل شهادته إلى فرع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في أبها، وتم قبوله في كلية أصول الدين .
ولكن إذا أراد الله شيئا هيأ أسبابه ، لنستمع إليه يحكي لنا كيف تغيرت الأمور ، واستطاع تحقيق حلمه ورغبته ، يقول ( بعدما قمت بالتسجيل في جامعة الأمام محمد بن سعود الإسلامية – كلية أصول الدين بابها، ولازالت فكرة العسكرية تراودني، فزرت العقيد المتقاعد / هادي بن سليمان الداثري، وكان حينها برتبه ملازم أول، وهو خريج كلية الملك عبد العزيز الحربية، فلما أعلمته برغبتي وأسباب إحجامي عن السعي إلى تحقيقها ، عتب علي لضعف همتي ، وأشار علي بأن أسجل في كلية الملك فيصل الجوية، ثم طمأنني بأن الطالب في الكلية يبدأ في دراسته من الصفر، والطالب الجاد يستطيع التغلب على ما يعترضه من معوقات في حينه ، ولكل مقام مقال ، وأما أن يحكم الإنسان على نفسه بالفشل في شيء لم يجربه فهذا يعتبر من الحمق.
لقد هزته هذه الكلمات الصادقة الناصحة ، وحركت كوامن الرغبة المتجذرة في نفسه،ولم يخرج من عنده إلا وقد تغير تفكيره تماما ، وعزم على أمر مختلف، فيقول: (أخذت بمشورته وسحبت ملفي من كلية أصول الدين ، وبدأت التقديم على كلية الملك فيصل الجوية ، وتم قبولي بالكلية والحمد لله).
طبعا لم يتجه هذا الاتجاه إلا بعد أن عرض الأمر على والديه، واخذ موافقتهما، وكان والده مقتنعا بما يختاره لنفسه فلم يمانع ، وأما الوالدة فقد عارضت في البداية ، شفقة عليه وخوفا، لما يشاع ولما تسمعه عن العسكرية وعن الطيران بالذات، ولكن أخيه الشيخ فرحان تكفل بهذا الأمر، وجلى لها حقيقته، وانه كغيره من الدراسات العلمية ، لا يختلف كثيرا ، والحياة في عمومها لا تخلوا من الأخطار والمصاعب ، وما زال بها حتى أزال عنها ما تجده من مخاوف طبيعية ، ورضيت لما يختاره لنفسه ولمستقبل حياته .
بعد قبوله في كلية الملك فيصل الجوية، اتضح له حقيقة صدق تخوفه من اللغة الإنجليزية، وان ذلك كان تخوفا حقيقيا ووجيهاً ، ففي مراحل الدراسة الأولية، حيث بدأت الدراسة بكتاب يرمز له بـ (500) وهو أدنى كتاب في هذه اللغة يدرس للطلاب في الكلية، والمدرسون فيه من الجنسية البريطانية ، فلاحظوا ضعفه الشديد في اللغة ، فلما استفسروا عن السبب، كانت حجته كما كان يعتقد راجعة لكونه خريجا من معهد فيفاء العلمي الذي أفتتح حديثاً، ولان تدريس اللغة الإنجليزية فيه لم تكن عن طريق متخصص ، وكان يعتقد كذلك أن جميع خريجي المعاهد العلمية، على هذا المنوال من الضعف في هذه اللغة ، وقد اتضح له بعد ذلك خطأ ذلك ، وإنما الأمر عائد لضعفه هو فقط، فقد تعرف على كثير من زملائه من خريجي بعض المعاهد العلمية، ومن دار التوحيد بالطائف، وغيرها من المعاهد الشرعية ،وكانوا من ضمن الطلبة الأوائل في الكلية، سواء في اللغة الإنجليزية أو غيرها من المواد المقررة، فكان شعوره بالضعف في اللغة الإنجليزية ، وتندر بعض الطلبة عليه عندما لا يستطيع الإجابة عن أسئلتهم البديهية، دافعاً له على بذل المزيد من الجهد في تعويض هذا النقص ، وبالذات عندما أدرك أن ليس أمامه إلا (48) أسبوعاً للحصول على ما لا يقل عن 75% درجه في اللغة الإنجليزية، أو عليه مغادرة الكلية بالكلية.
حفزه ذلك ليثبت صواب رايه ، وحسن اختياره لهذه الكلية ، وانه أهل لهذا الاختيار ، ولا يقبل لنفسه الفشل مهما كان ، فيقول سعيت بكل جهدي على تلافي ما أنا عليه من ضعف في هذه اللغة، ومن ضمن ذلك أني كنت أتردد على طالب الطيران حينها (علي بن أحمد المشنوي الفيفي) ـ عميد طيار ركن حالياً ـ ، وكان متميزاً في دراسته ، وقد اجتاز مرحلة اللغة الإنجليزية ،وانتقل إلى دراسة العلوم الجوية، فبذل معي جهدا كبيرا، فعرف عن طريقه مفاتيح اللغة الإنجليزية، وكذلك الرياضيات والفيزياء، فأدرك أن لكل علم مفاتيح لابد من معرفتها لتستطيع تعلمها بسهولة ، ومع جهده وإصراره الذي لم يذهب هباء، استطاع الحصول على الدرجة المطلوبة 75% في اللغة الإنجليزية ، بعد حوالي (36) أسبوعاً فقط .
وبعد تخرجه من مرحلة اللغة الإنجليزية، تبدأ المرحلة الدراسية في العلوم الإنسانية، ثم الرياضيات والفيزياء، وبعدها العلوم الجوية، ثم يبدأ بعدها الطالب بالتدريب على الطيران .
ولكن وما أصعب لكن! عندما تقف أمام قطفك لثمرة حلمك، بعد أن قطعت معظم الطريق ، وتغلبت على كل المعوقات والصعاب التي اعترضتك إليه ، ولم يبقى أمامك إلا أن تمد يدك لتتلذذ بقطافه، ولكنه قدر الله وما شاء فعل ، والخير فيما اختاره الله (فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا) يقول : في ليله الجمعة السابقة لبداية التدريب على الطيران ، خرجت إلى ميدان الكلية ، فشعرت بألم في أذني ، وانشداد في جلدة وجهي، فعدت مسرعا إلى غرفتي، فلما وقفت أمام المرآة، لاحظت ميولاً في الوجه، وتوقف لرمش العين ، وتوجست خوفا من أني لن أستطيع التدريب على الطيران في الغد، وأنا على تلك الحال، لذا قررت إخفاء ما أصابني، لذلك لم يذهب إلى العيادة الخاصة بالكلية ، بل ذهب مع زملائه في الصباح إلى جناح الطيران ، وتظاهر بأنه لا يشكو شيئا ، وبدأ التدريب العملي على الطيران ، ولكن المدرب لاحظ بعد عدة أيام مرضه ، فقام على الفور بالاتصال بطبيب الكلية ، الذي أحاله مباشرة إلى المستشفى العسكري للعلاج ، وفي المستشفى قرروا إيقافه عن الطيران لمدة ثلاثة أشهر ، ليتم بعدها معرفة مناسبته على الطيران أم لا ، ولما مضت الثلاثة الأشهر، أضاف الطبيب إليها شهرا أخر ، وأحاله إلى طب الطيران بمدينة الظهران ، وفيها قرر الأطباء عودته إلى الطيران ، فاستأنف التدريب من جديد ، ولكن ظهرت لديه مشكلة أخرى، فقد أصيب بنزيف من الأنف وغثيان أثناء الطيران ، والسبب بعد فحصه وجود تكسرات في خلايا الدم بنسبة لا تسمح معها بالطيران ، لأجل ذلك تم تحويله إلى تخصص (موجّه مقاتلات).
فما هو هذا التخصص وما مدى أهميته:
إن موجّه المقاتلات من أهم التخصصات في الطيران الحربي ، فالطيران الحربي يلزم أن يكون لكل مجموعة طائرات مراقب ارضي، أو مراقب على إحدى الطائرات (الاواكس)، ليتابع هذه الطائرات متابعة دقيقة، من خلال شاشات الحاسبات والرادارات والخرائط أمامه، ويكون على اتصال تام بكل الطيارين فيها ، فهم يأتمرون بأمره، فالطيران الحربي يكون بسرعات عاليه جدا ، فالطائرات لها نفاثات قوية تفوق في سرعة اندفاعها سرعة الصوت ، مما يجعل الطيار لا يميز بسبب هذه السرعة العالية بنفسه عدوا من صديق، ولا يكشف مكامن الخطر التي قد تعترضه ، ويجب أن يتخذ قراراته في اقل من ثانية، وهنا يبرز أهمية الموجه ، الذي هو العين الثالثة والضرورية لكل طيار حربي، فهو يعتمد بنسبة كبيرة جدا على هذا الموجه ، الذي يعطي كل طائرة مسارها الذي يجب أن تلتزم به، وارتفاعها وسرعتها، وما هو التصرف المطلوب من الطائرة، أو الهدف الذي يكون أمامه الآن، وأين هو بالضبط، ومكان العدو وموقعه منه ، هل هو أمامه مباشرة، أو خلفه أو عن يمينه أو شماله أو فوقه أو أسفل منه، بل متى يستطيع رؤيته، ومتى يطلق صواريخه وغير ذلك، فهو العين الناظرة والعقل الموجه للطيارين، لذلك يكون أمام موجه المقاتلات خارطة شاملة ، وشاشة رادارية واضحة ، عليها كل المعلومات والتحركات على طول المساحة الممتدة أمامه، فيعرف موقع كل طائرة متحركة بالضبط ، وهل هي عدوة أو صديقة ، لذلك (فموجه المقاتلات) من التخصصات المهمة والدقيقة.
لما حُولت دراسته إلى هذا التخصص، وتلقى الدراسة النظرية عليه ، وتم تدريبه العملي في مدينة الظهران ، أحب هذا التخصص، ووجد ضالته فيه، فهو من التخصصات الدقيقة التي يبرز فيها التحدي الذي ينشده، فأتقنه بسرعة عالية ، وتعلم مهاراته وكشف أسراره وخباياه ، واجتاز مواده وتطبيقاته بنجاح وتفوق ، وتخرج من كلية الملك فيصل الجوية في 23/8/1407 هـ .
وبعد أن مارس عمله الوظيفي المتخصص، بمهارة وتفان وإتقان، تم اختياره في عام 1410هـ ضمن(عشرة )ضباط من وزارة الدفاع، لترشيحهم للابتعاث إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ، للدراسة في كلية الشريعة، ليكونوا نواة لإدارة الشؤون الدينية بالقوات المسلحة ، ولما تزامن ذلك مع قيام حرب الخليج الثانية (تحرير الكويت)، تأجل إتمام ابتعاثهم إلى بعد انتهاء الحرب ، فلم تبدأ دراستهم إلا في العام التالي 1412هـ في كلية الشريعة بالرياض ، والتي تخرج منها عام 1415هـ ، حاصلا على شهادة البكالوريوس في الشريعة.
والتحق فيما بعد بدورة القيادة والأركان، كلية القيادة والأركان بالرياض، واجتازها بنجاح ، حيث قدم في نهايتها بحثا كان بعنوان (أحداث 11 سبتمبر وتأثيره على الأمة الإسلامية ) وشهادة القيادة والأركان تعادل درجة الماجستير .
وفي عام 1430هـ التحق بجامعة أبو هريرة في دولة الهند، وهي من الجامعات الإسلامية الكبيرة، للحصول على درجة الدكتوراه، وذلك بإشراف وتشجيع الأستاذ الدكتور محمد بن حمد المنيع، الأستاذ بجامعة الملك سعود بالرياض ، حيث حصل منها على هذه الدرجة العلمية ، وكان موضوع الرسالة فيها (أحكام التعزية في الشريعة الإسلامية )، ولأهميتها وتميزها تم ترجمتها إلى اللغة الأردية، من احد الدكاترة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، واحد الدكاترة في جامعة أبو هريرة ،وطبعت في نفس الجامعة.
وكان لحرصه على الرفع من قدراته ومعلوماته أثناء عمله ، والذي تنقل خلاله لأكثر من مهمة في نفس القطاع العسكري، حيث كان لا يدع فرصة تمر به دون أن يسعى إلى تحسين مستواه، والارتقاء بقدراته العلمية والمهارية ، فتحصل على العديد من الدورات والشهادات العلمية والفنية والإدارية والثقافية ، منها ما ذكرنا وغيرها ، على النحو التالي :

1. الدورة التأسيسية لموجهي المقاتلات، في 1407هـ لمدة عام.
2. دورة دبلوم لمكافحة المخدرات، بالمعهد العالي للدراسات الأمنية بكلية الملك فهد الأمنية، لمدة فصل دراسي .
3. دورة في الحاسب الآلي، لمدة شهر بالقوات الجوية .
4. دورة قصيرة في التخطيط الاستراتيجي، بمعهد الإدارة العامة .
5. دورة في الإشراف الإداري، بمعهد الإدارة العامة.
6. دورة دبلوم عالي في مكافحه المخدرات، بجامعة نايف العربية لمدة عام .
7. دورة القيادة والأركان، بكلية القيادة والأركان بالرياض .
8. دورة في البرمجة العصبية اللغوية .
9. دورة في مهارات وفن الاتصال .
10. الدكتوراه من جامعة أبو هريرة في عام 1430 هـ .
الأعمال الوظيفية :
تم تعيينه بعد التخرج مباشرة في عام 1407هـ، بقاعدة الملك خالد الجوية بخميس مشيط، موجه مقاتلات برتبة ملازم ، وكلف بعد ذلك بالعمل بالتناوب مع زملائه ،في كل من شروره، وينبع، ومملكة البحرين.
وبعد ما حصل على البكالوريوس في الشريعة عام 1415هـ من كلية الشريعة (جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية)، وذلك بعد تفريغه وبعض زملائه، ليكونوا النواة المتخصصة لإدارة الشؤون الدينية بالقوات المسلحة ، تم تعيينه ضابط توعية إسلامية، بإدارة الشؤون الدينية للقوات الجوية، وفي العام التالي 1416 هـ عين مديراً للمكتبات، بنفس الإدارة لمدة عام ، وفي عام 1417 هـ عين مديراً لقسم التوعية الإسلامية ، ومديراً مكلفاً لقسم البحوث والفتاوي والدراسات ، وفي عام 1424 هـ تم تعيينه مساعداً لمدير إدارة الشؤون الدينية للقوات الجوية، ومشرفا على قسم التوعية الإسلامية، وفي تاريخ 1/7/ 1427هـ تم تعيينه مديراً لإدارة الشؤون الدينية للقوات الجوية، وما زال إلى تاريخه .
المهام الأخرى التي مارسها:

1. عضو اللجنة الرئيسة لمكافحة المخدرات، بالقوات الجوية لمدة (6) سنوات .
2. رئيس اللجنة المنظمة لجائزة الأمير سلطان بن عبد العزيز الدولية السادسة في حفظ القرآن الكريم.
3. رئيس مجالس الإدارة لصناديق التكافل بالقوات الجوية.
4. عضو مجلس إدارة جمعية الأمير سلطان لتحفيظ القرآن الكريم.
5. عضو اللجنة المركزية لعسكرة الجامعيين بوزارة الدفاع من عام 1422 هـ.
6. رئيس اللجنة الشرعية والاجتماعية في اللجنة المركزية لعسكرة الجامعيين بوزارة الدفاع لمدة ثلاث سنوات .

الأوسمة والأنواط
حصل على العديد من الأوسمة والأنواط ومنها:
1. نوط المعركة.
2. نوط تحرير الكويت.
3. نوط المئوية.
4. نوط القيادة.
5. نوط الإتقان.
6. نوط الإدارة العسكرية.
7. نوط عاصفة الصحراء.
8. نوط الخدمة لمدة 25 عاما.
الحالة الاجتماعية :

زوجته هي الفاضلة / مريم بنت يحيى اسعد آل السلعي الخسافي الفيفي .
ولهما ثلاث أولاد وأربع بنات على النحو التالي :
1. نبيل : وهو أكبر الأبناء، خريج كلية الملك عبد العزيز الحربية ، ملازم أول متقاعد، شارك في حرب الجنوب لدحر المتسللين الحوثيين ، وأصيب برصاصة قناص في إحدى رجليه، أحيل بعدها على التقاعد.
2. عبد المحسن: خريج كلية الملك عبد العزيز الحربية عام 1433 هـ .
3. مالك: انتقل إلى المرحلة الدراسية الثانوية .
4. عبد الملك: رابع ابتدائي وهو أصغر الأولاد.
5. نورة : متزوجة ولها ولد وبنت .
6. آفاق : متزوجة حديثاً .
7. أسماء : في المرحلة الابتدائية .
بارك الله فيهم وحفظهم ووفقهم إلى كل خير دنيا وآخرة .

أشخاص كان لهم بصمات في حياته كما يقول ومنهم :
• أبويه حفظهما الله وشفاهما، وأجزل لهما المثوبة والأجر، يقول عنهما ( لهما دور كبير بعد توفيق الله في التوجيه، والحث على الفضيلة ،وعلى طلب العلم، وكانا لا يقبلان مني ومن إخوتي القيام بأي عمل يصرفنا عن المذاكرة، رغم حاجتهما إلى ذلك - فجزاهما الله خير الجزاء).
• شقيقه الأكبر الشيخ فرحان، الذي يكبره بثلاث سنوات، يقول عنه (وكان مثقفا منذ صغره، وكثير القراءة، مما حبب إليه اقتفائه في ذلك، وتأثره به في هذا المجال،وكان ومازال قريبا منه في فكره وحياته يستوعبه ويفهمه ، وكثيرا ما سهل له بعض ما يعترضه، بل واوجد له الكثير من الحلول لها ، ولا ينسى أن له اكبر الأثر في إقناع أمه بالموافقة على التحاقه بالكلية الجوية، وقد كانت معارضة في ذلك خوفا عليه مما تسمعه عن الخطورة المتوقعة في هذا المجال الصعب).
• في المرحلة الابتدائية كان لمدير المدرسة حينها، الأستاذ علي بن فرحان الخسافي ( شيخ قبيلة الخسافي الآن ) مثالا وقدوة، بحسن توجيهه وتواضعه ، وكذلك الأستاذ يحيى بن علي الابياتي (رحمه الله) بتواضعه ولطفه، والأستاذ حسين بن جابر الخسافي وكيل المدير، بحزمه واقتداره ، ثم جارهم الكريم هادي بن اسعد الظلمي بغيرته وصلاحه .
• في معهد فيفاء العلمي، الشيخ موسى بن حسين ضيف الله الفيفي مدير المعهد بهيبته وحزمه ، والأستاذ الفاضل عبد الله بن سليمان الظلمي بإخلاصه واقتداره .
• في الكلية الجوية الدكتور حسين بن ناصر الحكمي، المدرس ورئيس قسم العلوم الإنسانية، وكان مرجعا علميا لجميع منسوبي الكلية، وملاذا للطلبة يحل مشاكلهم، ويشفع لهم فيما قد يلحق بهم من تأديب وخلافه، فكان بمقام الوالد والأخ الأكبر للطلبة جميعا، وقد تميز (حفظه الله) بأنه كان مكافحا حيث حصل على الدكتوراه في (السُنة) وهو دون السادسة والعشرين من عمره ، وهو حينها على رتبة عريف ، فكان محل إعجاب وفخر لقيادة الكلية ومنسوبيها.
• أما في الحياة العملية يقول: عملت مع عدد من القادة والمدراء، أبرزهم العميد : غيثان القرني، مدير إدارة الشؤون الدينية للقوات الجوية، لمدة عشر سنوات من عام 1416هـ، وتعلمت منه الكثير، ومن القادة الكبار أيضا، معالي الفريق عبد العزيز هنيدي ، وسمو الأمير الفريق عبدالرحمن الفيصل ، ومعالي الفريق محمد بن عبد الله العايش، فكل منهم يتميز بمؤهلات عالية، وصفات قيادية يندر وجودها، ومن مميزاتهم الحرص، واحترام الوقت، وشحذهم للهمم ، ومنحهم الثقة في مرؤوسيهم .
كل هولاء وغيرهم كثير، ممن يذكرهم باعتزاز وفخر، فكان لهم أثر كبير في حياته ومسيره في هذه الحياة، تعلم منهم واستفاد من خبراتهم وتجاربهم، جزاهم الله خيرا، ووفقهم إلى ما يحبه ويرضاه .
ونحن بدورنا نكبر فيه هذا الوفاء وهذا التميز، والاعتراف منه لأهل الفضل بفضلهم، وليس بمستغرب على من يعرف أدبه وتربيته وحسن ذاته .
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ## وان أنت أكرمت اللئيم تمردا
كثر الله من أمثاله، ورفع من قدره ، وأعلى من رتبه ومراتبه ، في الدنيا والآخرة، وغفر له ولوالديه ومتعهما بالصحة والعافية، ورزقهما بره وبر إخوانه ، وأصلح له زوجه وذريته ، ومد الله في عمره على طاعته ومرضاته .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
محبكم / عبد الله بن علي قاسم الفيفي /أبو جمال
الرياض في 1433/11/22هـ

الدكتور نبيل بن علي قاسم الفيفي


تتبلور شخصية الإنسان منذ صغره، ومعرفتي الأكيدة لأبرز ميزات شقيقي الأصغر (نبيل)، كانت تنبئ بما وصل إليه اليوم ، من مكانة علمية واجتماعية ووظيفة ، فمنذ نعومة أظفاره وهو يتميز بشخصية متوثبة قوية ذكية ، واضح صريح ، لا يترك الأمور تمر دون أن يفهما ويستوعبها ، قوي البديهة ، حاد الذكاء، لماح فطن ، يجرب كل شيء، ويسال عن كل شيء ، يتعب نفسه، ويرهق من حوله، بأسئلته التي لا تنتهي ،إن اتخذ هدفا لا يدعه حتى يحققه ، وأهدافه دوما عالية وكبيرة ، لا يقبل أن يكون تابعا أو إمعة ، تشفق عليه من طموحه، ولكنه يستسهلها بإصراره وذكائه، ويدنيها حتى يعلوا فوقها.
عندما لم يجد نفسه في العلم الشرعي، في المعهد العلمي، وهو ابن القاضي وكل أخوته سلكوا هذا المسلك ، لم يجامل أو يكابر دون قناعات نفسه، بل تحدى المنطق واقتحم المجهول، ليجد نفسه ويثبت تميزه، وكل من حوله يحذّره ويخوّفه ، فحول دراسته من القسم الشرعي إلى القسم العلمي ، من المعهد العلمي إلى الثانوية العامة ، وهو غير مؤسس لذلك ، ولكنه يرى أن انتقاله يحقق له ما يتمناه، وما يرغبه في مستقبل حياته ، فثقته بنفسه وقدراته فوق أي اعتبار آخر ، عرض الوضع على أبيه بكل شفافية ، فوافقه وشجعه مادامت تلك رغبته ، فانتقل إلى الثانوية والكل مشفق عليه، خشية فشله وخيبته، وانه سيعود منكس الرأس إلى ما يستطيع ، ولكنه كسب الرهان، وغير مسارها إلى ما يرغب ويؤمل ،وهذا هو ديدنه.
فهو ذو عزيمة وإصرار وذكاء، وعدد ما شئت من صفات القوة والإرادة والطموح تجدها بارزة لديه، إضافة إلى الاعتداد بالنفس والثقة بها، وهو متحدث لبق يحسن اختيار العبارات وصياغتها بأسلوب راق جميل، سواء كان متحدثا أو كاتبا أو محاورا ، يستوعب الموضوع ويثريه ، ويكتب بأسلوب راق جميل ، وأدب رفيع، وشعر بديع، فهو شاعر وأديب وكاتب ، إضافة إلى إبداعه في تخصصاته العلمية والطبية، وخلاصة شخصيته (انه لا يكتفي أن يكون كالآخرين بل يسعى ويصر أن يكون أفضل ) فهو في تحد دوما مع نفسه الطموحة :

وإذا كانت النفوس كبار 
تعبت في مرادها الأجسام 

انه الدكتور/ نبيل بن علي بن قاسم آل طارش الخسافي الفيفي

image


والده فضيلة الشيخ القاضي علي بن قاسم حفظه الله، وأمه الفاضلة مريم بنت يحيى اسعد الثويعي الفيفي رحمها الله وجمعنا بها في مستقر رحمته .
ولد لهما في بيت الطائف في النفيعة من فيفاء في 25/5/1392هـ ونشأ في هذا البيت .

تعليمه:
عندما بلغ السادسة من عمره سن الدراسة، ألحقه والده بمدرسة تحفيظ القرآن الكريم الابتدائية بالنفيعة، في بداية العام الدراسي 1398/1399هـ، وواصل دراسته بها إلى أن نجح من الصف الرابع الابتدائي، ثم انتقل إلى المعهد العلمي بفيفاء، المرحلة التمهيدية التي توازي الصفين الخامس والسادس الابتدائي ، ولما نجح من هذه المرحلة ، تدرج في المرحلة المتوسطة في نفس المعهد ،وما إن نجح من الصف الثالث المتوسط في العام الدراسي 1406/1407هـ ، إلا ووجد أن رغبته في مواصلة الدراسة في المعهد العلمي قد تغيرت، رغم تفوقه في دروسه، إلا انه بدا له رأي آخر، في أن يغير مساره في الدراسة من المعهد العلمي، ويستكمل دراسته في الثانوية العامة.

كان حينها في الخامسة عشرة من عمره، سن البلوغ والمراهقة ، سن الأحلام والآمال، وتفتح المدارك والرؤى والآفاق، فطموحه ليس فيما وجد نفسه فيه ، فتخصصه الذي يدرسه لا يروي له غليلا ، ولا يحقق له طموحا ، فنفسه تميل الى التخصصات العلمية البحتة، ومواد المعهد العلمي تركز على النواحي الشرعية واللغوية فقط ، فاحتار بين ميوله الذي يرغب ، مع خشيته أن يتعارض مع رغبات وتوجهات أسرته ،فبقي في صراع بين واقعه وأحلامه ، وكيف التوفيق بينهما ، فلابد من المواجهة ، ويخشى من المصادمة ، فليس مقبولا أدبيا أن يتخذ خطوة كهذه دون موافقة أبيه ، ولا يدري كيف ستكون ردة فعله ، وكيف السبيل إلى إقناعه ، والكل أشعره باستحالة اخذ هذه الموافقة ، والمشفق عليه نصحه بالتنازل عن فكرته ، لذلك كاد أن يجامل ويستسلم لواقعه ، ولكن تأجج رغبته لا تنطفي في داخله، وقناعته بسلامة منطقه، وحقه في تحديد مستقبله ، وفي دراسة ما يرغبه ويقتنع به ، ثم لمعرفته الأكيدة بروح المنطق لدى أبيه ، وانه وقّاف عند الحق متى ما بدا له ، كل ذلك جرائه وشجعه على الوقوف بين يديه، وقد اعد نفسه بالحجج والبراهين والاستدلالات النابعة عن يقين وقوة إيمان بصواب فكرته ، ولما كان متميزا بالجرأة وحسن الطرح وسلامة المنطق ، فقد أوصل الفكرة كاملة واضحة لأبيه، الذي اقتنع فلم يتردد لحظة واحدة في اعطاه الإذن فيما عزم عليه ، بل نفحه بتشجيعه والدعاء له والشد على يديه ، لنسمع منه الحكاية ، حيث يقول : (عندما استأذنته، لنقل ملف دراستي من المعهد العلمي، إلى الثانوية العامة، قال لي: "الدراسة الشرعية علم دين ودنيا، ولكن القائم بفرض الكفاية صاحب أجر كبير, وما دمت في طريق تبتغي فيه علما، فالله يكون لك معينا، ولست ممن يفرض على أحدكم ما يدرس وما لا يدرس، ففي كل العلوم خير") بل إن والده اعتبرها له ميزة وحفظها له، فيقول عن ذلك : ( كان والدي دائما ما يظهر لي أن اختلافي عن بقية إخوتي، من حملة العلم الشرعي، شيء مميز يزيد من تكاملنا كمجموعة).
لما انتقل إلى الثانوية العامة بفيفاء، لم يكن فيها من الأقسام إلا القسم العلمي، فكان بالنسبة له تحد كبير يجب اجتيازه،وهو هدفه وما يسعى اليه ، ثم ليثبت صواب رايه وسلامة اختياره ، أمام نفسه أولا، ثم لأبيه وللجميع ، وليدلل بأنه على قدر قراره، وعلى مستوى اختياره ، وكان تحد صعب، لان تأسيسه الأولي، سواء في المرحلة الابتدائية (تحفيظ القرآن الكريم)، وفي التمهيدي والمتوسطة في المعهد العلمي، لا يؤهله للتخصص في المواد العلمية البحتة، من فيزياء وكيمياء وأحياء ورياضيات وغيرها، ولكنه ضغط على نفسه، وسعى جاهدا لاستكمال القصور التأسيسي لديه في هذا المواد، التي كان يدرسها لأول مرة ، وكان بقوة الإصرار والجهد والمثابرة، ومضاعفة العمل والمذاكرة، استطاع التغلب على كل قصور لديه، حتى جارى زملائه بل تفوق على معظمهم ، وتدرج في سنوات هذه المرحلة ، إلى أن تخرج منها في نهاية العام الدراسي 1409/ 1410هـ ، بتقدير ساعده على اختيار التخصص الذي يرغبه.
لم يكن تحويل دراسته من المعهد العلمي إلى الثانوية العامة، وترك التخصصات الشرعية واللغة العربية، قلى لهما أو إعراضا عنهما ، ولكنه حب التزود في العلوم الأخرى ، ولتحقيق رغبة في النفس كان يرسمها لقادم أيامه، لا تتحقق إلا بالحصول على شهادة الثانوية العامة الأقسام العلمية منها ، فقد واصل التحصيل دون إخلال بعشقه الأول لهما، حتى انه بقي ملازما لحلقات القرآن الكريم في مسجد النفيعة ، التي التحق بها وهو في سن الخامسة من عمره، قبل أن يدخل المدرسة الابتدائية، فلم يتخلف عنها إلى أن تخرج من المرحلة الثانوية ، لذا نراه مبدعا في اللغة والأدب والعلوم الشرعية الأخرى، كإبداعه في العلوم العصرية التي تخصص فيها ، بل وأكثر .

بعد تخرجه من الثانوية العامة (القسم العلمي )، بادر إلى الالتحاق بجامعة الملك سعود بالرياض (كلية العلوم الطبية التطبيقية)، متخصصا في دراسة (العلوم الإشعاعية)، وكانت مدة الدراسة بهذه الكلية خمس سنوات، كانت مفعمة بالجد والاجتهاد والعمل والتحصيل، إلى أن تخرج منها وحصل على درجة البكالوريوس في نهاية العام الدراسي 1414/1415هـ .
ولما كان من متطلبات التخرج، في هذه التخصصات الطبية، أن يمضي سنة تسمى سنة الامتياز، يطبق فيها الطالب ما درسه عمليا، في احد المستشفيات التي يختارها، حيث اختار مستشفى النور التخصصي بمكة المكرمة، وأنهى هذه السنة بجدارة مع نهاية عام 1416هـ.
ومع ذلك لم يقف عن الدراسة، وتطوير قدراته الفنية والعملية عند هذا الحد، ولم يركن إلى ما وصل إليه فيها ، ولم تفتر همته بعد التحاقه بالعمل الوظيفي ، فطموحه الكبير وهمته العالية، ثم لما يتميز به تخصصه كأحد التخصصات العلمية العصرية الحديثة، المتطورة والمتجددة بسرعة فائقة ، والتي إن لم ينمي صاحبها قدراته العلمية والمهارية باستمرار، ويتابع كل جديد فيها ، لن يشعر إلا وقد فاته الركب وتأخر به المسير، وقد يتحول إلى أمي لا يفقه في تخصصه شيء ، ولما كان عمله الوظيفي في إحدى الشركات العالمية العريقة (شركة أرامكو السعودية ) حيث تعيّن بعد تخرجه مباشرة في إدارة الخدمات الطبية، في شركة أرامكو السعودية ، في المركز الرئيسي ، المستشفى العام في مدينة الظهران، أخصائي أعلى في التصوير الإشعاعي، ولما لهذه الشركة العملاقة من جهود بارزة، في تهيئه الفرص والإمكانيات لموظفيها ومنسوبيها الطموحين، لتطوير قدراتهم والرفع من معلوماتهم وعلومهم، في مجالات تخصصاتهم، وما يتطلبه طبيعة أعمالهم من تأهيل وتدريب، وما يعينهم على الارتقاء بمستوياتهم العلمية والعملية ، لذلك فقد تم ابتعاثه في عام 2002م من قبل الشركة، لإتمام دراسة الماجستير ، فالتحق بجامعة سري البريطانية، وهي من أشهر الجامعات البريطانية في تدريس هذا التخصص، حسب تقييم المعهد البريطاني للفيزياء والهندسة في الطب، وقد أتم دراسة الماجستير في تخصص (الفيزياء الطبية) خلال سنة واحدة ، ولما كانت مدة البعثة سنتين فقد استغل السنة الثانية منها، للرفع من قدراته العملية والعلمية ، والتحق بالتدريب في أربع مستشفيات، من أكبر المستشفيات في العاصمة البريطانية لندن ، وحصل كذلك فيها على فترة تدريبية في المعهد الوطني البريطاني للأبحاث الطبية، فعاد من البعثة في عام 1423هـ ، يحمل شهادة الماجستير،إضافة إلى الخبرات العملية والتدريبية.
في عام 1429هـ التحق بجامعة فنكس الأمريكية،لإكمال درجة الدكتوراه، في تخصص (الإدارة الصحية)، وأنهاها في أقل من أربع سنوات،وحصل على شهادة الدكتوراه في عام 2012م الموافق 1433هـ .
وقد شارك كذلك خلال عمله الوظيفي، في العديد من الدورات التدريبية العلمية والإدارية، داخل وخارج المملكة، ومن ذلك :

1. دورة الحماية الإشعاعية، بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن.
2. دورة إدارة النفايات النووية، والتي نظمتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية في دولة السويد.
3. دورات الجودة النوعية لأجهزة الطب النووي، في مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث.
4. دورة التعامل مع التلوث النووي، في مركز الأبحاث الطبية بالمملكة المتحدة.
5. ورش عمل الجودة النوعية للمواد المشعة،في مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث.
6. دورة القيادة والإدارة، في أرامكو السعودية.
7. دورة إدارة جلسات الحوار، في أرامكو السعودية.
8. ورشة عمل العادات السبع، للأشخاص الأكثر فاعلية، في شركة أرامكو السعودية.
9. ورش عمل التفكير الإبداعي، ومنهجيات البحث العلمي، بجامعة فنكس الأمريكية.

الحياة العملية:

التحق كما ذكرنا بالعمل في إدارة الخدمات الطبية، في شركة أرامكو السعودية في الظهران، بعد حصوله على درجة البكالوريوس، في العلوم الإشعاعية، في عام 1417هـ ، وعمل بها كأخصائي أعلى في التصوير الإشعاعي.
في بداية عام 1418هـ، تخصص في قسم الطب النووي، في نفس المستشفى، وتدرج فيه إلا أن أصبح رئيسه في عام 1421هـ .
في عام 1420هـ حصل على شهادة الاعتماد، من مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتكنولوجيا، كأحد مسؤولي الحماية من الإشعاع، المعتمدين في المملكة في تخصص الطب النووي .
تم إبتعاثه من قبل الشركة لإتمام الماجستير، في عام 2002م، وعاد منها في عام 2004م ليكون الفيزيائي الطبي الوحيد، في قسم الأشعة التشخيصية، في مستشفى أرامكو السعودية.

تخصص في فرع الطب النووي في الفيزياء الطبية، ليصبح فيزيائي الطب النووي في دائرة الخدمات الطبية، في شركة أرامكو السعودية.
إضافة إلى مهامه كأخصائي أعلى في الفيزياء الطبية، تم تكليفه بالعمل كمشرف التدريب في أقسام الأشعة، بمستشفى أرامكو السعودية، وقد تخرج من برنامج التدريب الذي قام بتصميمه وإدارته، عدد من الأخصائيين العاملين في مستشفيات عديدة داخل المملكة.

شارك ورأس العديد من لجان التطوير والتقييم، التي قامت بها دائرة الخدمات الطبية في شركة أرامكو السعودية، لتحسين أداء عدد كبير من المستشفيات الخاصة في المملكة، و المتعاقدة مع شركة أرامكو السعودية، والتي تقدم العلاج لمنسوبي الشركة خارج مستشفى الشركة بالظهران، لضمان أعلى درجات الجودة في هذه الخدمات.
أسند إليه مهام رئاسة قسم التصوير المتقدم، والذي يشمل تحت إدارته، وحدات الطب النووي، ووحدات التصوير المقطعي، ووحدات الموجات فوق الصوتية، ووحدات الرنين المغناطيسي، والتي يعمل بها ما يقارب الثلاثين أخصائيا، من أكثر من اثنتي عشرة جنسية مختلفة.

المشاركات العلمية والمهام التطوعية
تم انتخابه ليشغل منصب عضو مجلس إدارة الجمعية السعودية العلمية للفيزياء الطبية، في أول مجلس إدارة منتخب لها عام 1429هـ ، وما زال أحد أعضائه الفاعلين إلى الآن، والجمعية السعودية العلمية للفيزياء الطبية هي (أحد الجمعيات العلمية المندرجة تحت مظلة الهيئة السعودية للتخصصات الطبية) وتعتبر من أنشط الجمعيات العلمية في المملكة، ومؤتمرها السنوي، من أقوى المؤتمرات العلمية التي تقام في المملكة، يستقطب حضورا عالميا من قبل المتخصصين، في مجال الأشعة التشخيصية والعلاجية، من فيزيائيين وأطباء وأخصائيين وفنيين.
وهو المنسق الوحيد للندوات العلمية الشهرية للفيزياء الطبية في المنطقة الشرقية ، والتي تعقد معظمها في مستشفى الملك فهد التخصصي بالدمام ، تحت مظلة الجمعية السعودية للفيزياء الطبية، ودوره كممثل للجمعية في المنطقة ، هو التواصل والتنسيق مع علماء الفيزياء الطبية ، المتواجدين في المنطقة وخارجها لإقامة هذه الندوات العلمية، التي تساهم في تبادل الخبرات ، ورفع المستوى العلمي، والتواصل المهني بين منسوبي الجمعية والجمعيات العلمية الأخرى، في المجالات الطبية.

وقد مثل قسم الأشعة، في إدارة الخدمات الطبية بشركة أرامكو السعودية، في العديد من المؤتمرات الطبية والعلمية، ومنها :

1. المؤتمر الثاني والثالث والرابع للجمعية السعودية للأشعة.
2. المؤتمر الثاني والثالث من المؤتمرات العلمية للأشعة في جامعة الملك فيصل.
3. جميع المؤتمرات السنوية للجمعية السعودية للفيزياء الطبية، وهو المتحدث ومدير جلساتها على مدار الست سنوات الماضية.
4. شارك في المؤتمرات العلمية للجمعية الخليجية في الطب النووي.
5. شارك في مؤتمرات الجمعية السعودية لتقنية الأشعة، التي عقدت في مدينة الرياض.
6. يعتبر أحد الأعضاء الفاعلين في نادي الأشعة بالمنطقة الشرقية، محاضرا ومديرا لجلسات النقاش وورش العمل.
7. يعتبر أحد المقيّمين الممارسين في الفيزياء الطبية، والمعتمدين من قبل الهيئة السعودية للتخصصات الطبية، في تقييم الكفاءات العاملة في الفيزياء الطبية، التي تسعى للحصول على التصنيف المهني من قبل الهيئة، وهذا يتطلب إلماما بمتطلبات الممارسة الطبية للفيزياء في أقسام الطب النووي، وكان ترشيحه لهذه المهمة التطوعية من قبل الجمعية السعودية للفيزياء الطبية، وكذلك اعتماده من قبل الهيئة السعودية للتخصصات الطبية، المسؤولة عن منح تراخيص الممارسات الطبية ، لجميع العاملين في التخصصات الطبية في المملكة العربية السعودية.
8. شارك في العديد من اللجان العلمية، لمراجعة البحوث العلمية، المقدمة للمؤتمرات العلمية في الأشعة، والفيزياء الطبية، والطب النووي، خلال السنوات الماضية.
وهو أحد أعضاء نادي الخطابة، التابع لإدارة الخدمات الطبية في أرامكو السعودية، والتي تعقد فعاليتها أسبوعيا، في مقر مستشفى الشركة في الظهران، وهذا النادي من أحدث نوادي الخطابة التسعة في الشركة، والتي تتبع المنتدى العالمي للخطابة.
البحوث العلمية والمشاركات الأدبية:

له العديد من البحوث العلمية في مجال تخصصه، وفي المجالات الثقافية والأدبية، ومن ذلك :

1. "حسابات الإنبعاثات الثلاثية لأشعة جاما وتطبيقاتها، دراسة تجريبية" (رسالة ماجستير محكمة).
2. "العلاقة بين الضغوطات المهنية، والرضا الوظيفي، في وسط العاملين في مجال الأشعة، في المملكة العربية السعودية، دراسة تحليلية" (رسالة دكتوراه محكمة).
3. "الطريقة المثلى لاختيار وتركيب الأجهزة الطبية، في أقسام الأشعة". (ورقة عمل مقدمة للمؤتمر العلمي الرابع للجمعية الخليجية للطب النووي).
4. "مراقبة الجودة النوعية في قسم الطب النووي". (ورقة عمل مقدمة للمؤتمر الثالث للجمعية السعودية للأشعة).
5. "إدارة المخاطر والجودة النوعية في أقسام الأشعة". (ورقة عمل مقدمة للمؤتمر الثاني لنادي الأشعة بالمنطقة الشرقية).
6. "سنة الامتياز بوابة النجاح". (ورقة عمل مقدمة للمؤتمر الثالث لنادي الأشعة بالمنطقة الشرقية).
7. "الحماية الإشعاعية للعاملين في أقسام الأشعة والطب النووي". (ورقة عمل مقدمة للمؤتمر الرابع للجمعية السعودية للأشعة).
8. "العلاقة بين الضغوطات المهنية والرضا الوظيفي، في وسط العاملين في مجال الأشعة في المملكة العربية السعودية"، (ورقة عمل مقدمة للمؤتمر العلمي الثاني للجمعية السعودية للتقنيي الأشعة).
9. له كتابات أدبية وفكرية، ومشاركات شعرية متفرقة، في بعض المنتديات المنتشرة في الشبكة الإلكترونية، حيث يكتب تحت مسمى ("مغامر بن قضاعة")
وهي كتابات أدبية رائعة، وشعر بديع متألق ، لما دخلت عليه لأول مرة من خلال محرك البحث (قوقل )، تفاجأت حقيقة بما وجدت، فقد وجدت أدبا رفيعا ، وشعرا قويا غزيرا، وان لم أكن ناقدا في هذا الفن، ولكن ما اطلعت عليه أبهرني وأسعدني ، ويدل على موهبة كبيرة، وتمكنا قويا، ولعله اليوم وقد تفرغ بعد حصوله على الدكتوراه، أن يفرغ شيء من جهده ويعود من جديد الى علاقاته المبدعة في هذا المجال، وان تكون تحت اسمه الصريح، وأن يخرج ما قد تجمع لديه من نتاج في هذا المجال ، واجزم ان لديه كثيرا ، وهو حق لكل المتذوقين ومحبي الشعر والأدب.

اعرض لكم بعضا من هذه النماذج :
الأول استنسخته من أحد المنتديات دون إذن ، فالعذر منه ثم منكم ومن أصحاب المنتدى (منتديات فيفاء) ولكنه أعجبني يقول فيه:

عـــــذراً أيا شعـــــري فإني حائر

******* وبحور شعـــــــــرك تستغيث بخاطري

بحر (الطــــــــويل) غدا يئن وحوله

******** سالت مدامع عين بحر (الوافــــــــر (

وهوى (البسيط) على التراب كأنه

******** صــــرح تدهور في الزمــــان الغــابر

بحر (الســـــريع) تراجعت خطواته

********* من بعد أن خُلط الفصـــيح بشاطر

وأتى (المـــــــــديد) له نواح جارح

******** يرثي لنا أيام (هَــــزَّج) الشـــاعـــر

بحر (الخفيف) مع (المضارع) ضيعا

******** (الكـــــامـل) المغدور نهج البحتري

(مُتــدارك) في قوله (مُتقـــــارب)

******** ويحي عــلى ذاك الكــريم الأزهري

ما بال (مُقتضب) الفصيح دموعه

********* سالت هنا كمسيل نهـــــر هادر

ما اجتث (مُجتث) المشاعر حزنه

********* كلا ولا (الرّمَل) الحبيب بشاكـر

أبن البسيط (مُخلع) قـد أصبحت

********* أوزانه كـــــرياض ورد ضــــــامــر

في ما مضى كانت لـ(مُنسرح) النهى

********* أبياته تهــــدي الجمـال الساحر

واليــــــــــــوم لا بيت يظـــللـــــه ولا

********* أضحى له عــــــرش يزين لناظر

و ( الرّجز) أهملت المقاصدُ قصده

********* فغدا كأطــــــلال تئن لحـــــاضر

فلتعــــذرينــــا يا بحـــــــوراً للأولى

********* كان الفصيح لسانهم في المنبر

فلقد عجــــــزنا أن نكون فروعهم

********* ولقد أضعنا نطـــــــق ذكر الذاكر

ولِذا هدمنا منبر الفصـــــحى ولم

********* نحزن عـــــلى ذاك التراث الزاخر

لسنا لكِ كفــــــــــــؤاً فأنتِ والذي

********* أوحى الكتاب إلى النبـي الأطهر

عـــــــــذراء لا يرد السفيه بحورها

********* كلا ولا ترضى بلّحـــــــن الشاعر

فوق النجوم فصيحــــةٌ في نطقها

********* وسفـــــــــارة للعرب زادُ مسافر

فاختارك الرحمـــــنُ من دون الورى

********* نّعم الوعـــــــــــاءُ لقول ربٍ قادر

لا لـــــــــــن تموتي إذ دفناكِ ولن

********* تشكي الهوان وظـلم جور الجائر

فلقد تكفل حــافــــــظ الآيات أن

********* يبقي لســـــانك ناطقاً للمحشر

لكننا نحـــــــــــن الذين تقوقعت

********* أفكـــــــارهم فغدت تراب المحجر

كنا إذا نطق الكـــــريمُ سمعته

********* وفهمته من دون شـــرح الناشر

أما وقد غلبت عــــــلى ألفاظنا

********* لهجاتنا. فلتعذرينا واستـــــــــــري

تحياتي

م ق 
الثاني: بعد أن نسقت معه في اختيار ما يراه مناسبا ، اختار لي نصين شعريين، قال عنهما: الأول له مكانة خاصة في نفسه (الدار داري) ، والثاني قاله بعد عودته من بعثة في الخارج، تحية فخر واعتزاز لأهله في فيفاء ، شمل بها كل أبناء فيفاء.
ولا أجد تعليقا عليهما إلا أنهما رائعان:


الدار داري
الدار داري والزمان زماني
والذكريات تزيد من أحزاني
والكون ضاق علي حتى أنني
ما عدت أعرف ما الذي أظناني
ليس الوفاء بأن أعيش معذبا
كلا وليس الحب من آذاني
سأنير في تلك الغياهب شمعة
لتنير دربي فالمكان مكاني
ولسوف أسقي الورد حبا غامراً
أملا. سيخلق في القفار جناني

ولسوف أرمي كل ألآم مضت
ولسوف أحيا فالزمان زماني
ولسوف أبداء من جديد هاهنا
فالعمر يجري والحياة ثواني
سأعيشها من لحظتي بسعادة
وأبثها شعرا إلى إخواني

تحياتي
م.ق


(الثانية)

عدنا أيا ركن الفصيح يشدنا
شوق الغريب يحن للأوطانِ

من بعد عام في بلادٍ نطقها
مسخ الكلام يصر في الأذانِ

سنةٌ كأن الوقت في أيامها
حملٌ يهد الكتف بالأوزانِ

عدنا إلى ربع الكرام ديارهم
ومرتع الغزلانِ قمم الجبال

قوم إذا عُد الرجال لقيتهم
صدر الصفوف كثورة البركان

أنسابهم شرف تحدر نسله
خولانِ من خيرة الأنساب في

فيهم (خسافيُ) المكارم شامخٌ
و(الداثريُ) له جميل بيانِ

فيهم (مثيبيُ) الجدود فِعاله
تبقى وينشدها له (السلماني)

فيهم (عماميٌ) و(أبياتُ) النهى
شهب السماء تنير بالأكوانِ

دفريهم) يغدو ويكمل سيره)
(ظلميهم) جيشٌ من الشجعانِ

(أشرافهم) نسل الرسول محمدٌ
(والأخشمي) يزيد في الإحسانِ

فيهم (شراحيلُ) الجدود رجاله
قفل الحدود لنا عن العدوانِ

سمح الخصال وجاره (عُمريهم)
(العبدليُ) كتائب الفرسانِ
فيهم (ثويعيُ) المفاخر جاره
(المشنويُ) قلائد العقيانِ

(حكميهم) نار تسد ثغورنا
(حربيهم) يعلو على الطغيانِ

(مدريهم) صافي المودة ماجد
تبقى مناقبهم على الأزمانِ 

نقول لا فض فوك، وواصل بتوفيق الله .
الحالة الاجتماعية:
زوجته هي الفاضلة جوهرة بنت علي بن حسين الشريف الفيفي ، ابنة الأديب الشاعر والمربي الفاضل الأستاذ علي بن حسين الشريف الفيفي، وهي حاصلة على درجة البكالوريوس تخصص تاريخ ، كلية الآداب للبنات بالدمام (جامعة الدمام حاليا) وتعمل في التدريس.
لهما من الأبناء ابن واحد هو (أبان) يدرس في المرحلة الابتدائية .

أشخاص كان لهم أثر في حياته:
لكل إنسان مؤثرون، رسموا في حياته معالم كان لها دور كبير في نجاحه، ولكن الأوفياء يحفظون لأصحاب هذه المآثر ما يستحقونه من التقدير والعرفان، ومن الوفاء على الأقل الدعاء لهم بظهر الغيب، بان يجزيهم الله خير الجزاء، وهو يخص من هولاء ثلاثة ويقول عنهم :
1. والدتي (مريم بنت يحيى الثويعي) رحمها الله، فقد كان لها الفضل بعد الله تعالى في تقدمي خلال جميع مراحلي العملية والعلمية، فمن أساليبها الرائعة أنها كانت تلزمنا باستذكار الدروس بصوت مسموع أمامها، خلال مراحل التعليم الابتدائية والمتوسطة، ومما كانت تردده دوما لي ولأخوتي (انه إن كان أحدكم سيتغرب للفشل، فليفشل عندي وليس هناك حاجة لتغربه)،وهذه الكلمات كما يقول كان لها التأثير الكبير، وكانت أضواء أمامي، تحدد لي هدفي بوضوح،فتبرز لي في المنعطفات الحساسة والمصيرية ، فأتحفز من خلالها، وأفكر ألف مرة قبل الإقدام على أي أمر، فينير الله دربي ويتضح مسلك خطواتي، وأتحرز أن لا يكون الفشل احد خياراتي، ومن كلماتها المؤثرة (رحمها الله) أيضا، قولها ("لا تجعلوني أعلم أنكم أصبحتم الرماد الذي تورثه نار أبيكم") رحمها الله وغفر لها، ورفع درجتها في عليين.
2. والدي (الشيخ علي بن قاسم) أطال الله في عمره على الطاعة، يقول كان وما زال مثلي الأعلى في كل شئ ، وعندما استأذنته لنقل ملف دراستي من المعهد العلمي إلى الثانوية العامة، قال لي : ("الدراسة الشرعية علم دين ودنيا، ولكن القائم بفرض الكفاية صاحب أجر كبير, وما دمت في طريق تبتغي فيه علما فالله يكون لك معينا، ولست ممن يفرض على أحدكم ما يدرس وما لا يدرس، ففي كل العلوم خير") وكان دائما ما يظهر لي أن اختلافي عن بقية إخوتي من حملة العلم الشرعي شيء مميز يزيد من تكاملنا كمجموعة.
3. زوجتي (جوهرة بنت علي حسين الشريف الفيفي) كان لها من الفضل في الصبر على طبيعة عملي، ودراستي وخصوصا مرحلة الدكتوراه، فكانت توافق بين متطلباتها ومتطلبات عملي الكامل في شركة أرامكو السعودية، فالوقت المتاح لأسرتي قد لا يتجاوز الساعة أو أقل في اليوم ، حتى في أوقات الإجازات الرسمية، فوفرت لي الجو الهادئ، الذي أعانني بفضل الله على إتمام دراستي بنجاح دون منغصات أو مشاكل.
هذا هو أخي الشقيق ، حاولت أن أقدمه بكل تجرد وحيادية، بعيدا عن العواطف، ولكنني اعترف أني فشلت كثيرا في ذلك ، بذلت جهدا لا باس به في نقل المفيد ، من تجربته الثرة ، لعل فيها فائدة لشبابنا المتطلع إلى المعالي، خدمة لنفسه ودينه ووطنه ، أرجو أن يكون فيها الفائدة وفيها المتعة وفيها القدوة، أتمنى لنا ولكم التوفيق ، وبارك الله في صاحب السيرة، والى الأمام دوما، ومزيدا من النجاح والسداد دنيا وآخرة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

محبكم / عبد الله بن علي قاسم الفيفي / ابو جمال
الرياض في 7/11/1433هـ